خروج المعتقلين هدفاً مشتركاً ووحيداً

خروج المعتقلين هدفاً مشتركاً ووحيداً

16 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

لا يمكن الحكم على نجاح الثورات أو فشلها، هنا والآن، ولا يعني مرور عقد على ثورات الربيع العربي إمكانية تقييم نتائجها المستقبلية. وما يبدو اليوم فشلا، وهو كذلك بالفعل، لا يعدو كونه محطة، أو مرحلة، قد تستمر وتتحوّل إلى فشل كامل، وقد لا تستمر، ويتجاوزها "وعي" الثورة، وتراكماته، وما أحدثه في عقول جيلين على الأغلب، وما سوف يُحدثه آجلا. نحن مهزومون، هنا والآن، لكن هذه ليست نهاية التاريخ. يعلم النظام في مصر ذلك، ربما أكثر مما نعلمه، ويعمل، جادّا، على مزيد من استقرار الوضع كما هو عليه، لمعرفته، الواعية، إن ما حدث قابل للتكرار، بصور مختلفة.
ما سبق بديهيات، أو يفترض أن يكون كذلك، ولا يقلّ عنه بداهة، ووضوحا، كوننا الآن في حالة هزيمة كاملة، وكون النظام في حالة انتصار كامل، نظام موجود، رسمي، شرعي، معترف به محليا وإقليميًا ودوليا، يحكم بالفعل، مستقر، قابل للاستمرار، قادر على مواجهة مشكلاته، وحلها، على الأقل بالقدر الذي يحفظ وجوده واستمراره. لا تشكل معارضته خطورة آنية، رصيد المعارضة صفر، والرهان على قدرتها المستقبلية في الانتقال به من يسار المعادلة إلى يمينها ليكون صفرا "مؤثرا"، لا حل قريبا. ولا قيمة، (أو مبدأ)، لوعود خارجية، أميركية، بالتدخل لدعم ملفات الحريات وحقوق الإنسان. أثبت النظام، غير مرّة، قدرته على التعامل مع هذه الملفات، بالتأجيل، والمراوغة، والتفاوض الطويل، وكسب الوقت، إلى ما لا نهاية.
تشهد نقاشات المجال العام الثوري (إن جاز التعبير)، نقاشاتٍ "خرافية" بين حين وآخر، تحمل من التفكير بالتمنّي قدر ما تحمل من التفكير بأي عضو آخر سوى العقل، يفترض أصحابها، وهم أصحابنا، أن ثمّة فرصة ما، في مكان ما، لتحقيق شيءٍ ما، يسمّونه الثورة والنزول، وتكرار يناير بتفاصيلها وإسقاط النظام ومحاسبته .. إلخ. في المقابل، يتمنى آخرون خروج المعتقلين، بأي ثمن، ويزايد عليهم أصحاب الثورة المتخيّلة بأن التفاوض، أو قرع الأبواب، أو الاستعداد لإنجاز مصالحة سياسية (مجرد الاستعداد!)، هي خيانات، وهدايا مجانية لنظام يلفظ أنفاسه الأخيرة! (تبدو سيرة الأنفاس هنا ودلالاتها ومزاجها العالي أقرب إلى منطق الحشاشين منها إلى عمل عزرائيل).
أحد أكبر خسائر الثورة، إلى الآن، ما حدث بين أطرافها الفاعلين. يتجاوز الأمر استحالة الاصطفاف، مرة أخرى، إلى الخصومة والعداوات الأكثر ضراوةً من خصومة كل طرف وحده مع النظام، كل طرفٍ الآن يعتقد أن وجود النظام الحالي في الحكم أفضل ألف مرة، له وللبلاد، من وصول طرف آخر، شاركه الثورة والميادين يوما ما، إلى الحكم، أو إلى تفاهمٍ مع النظام يعيده، وفق أي صيغة، إلى معادلة الواقع، أو الخروج من السجن، أو العودة إلى البلاد، .. أي ثورة يمكن أن يقوم بها هؤلاء، وأي تغيير؟
يبدو ملف المعتقلين، وحده، وما يعانونه، من دون طائل، هدفا واقعيا، مشتركا، ووحيدا، يمكن العمل عليه. أسعدني كلام المتحدّث الرسمي، الشاب، باسم جماعة الإخوان المسلمين (جناح إبراهيم منير)، صهيب عبد المقصود، عن استعدادهم للعمل المشترك في ملف المعتقلين، وبدء التواصل مع أطراف مختلفة لبلورة رؤية. ما أقلقني هو قلقه من المزايدات المتوقعة، والقائمة بالفعل، ونفيه تقديم أي هدايا مجانية للنظام. أتمنى أن يكون كلام عبد المقصود، من هذه الوجهة، تهدئة للخواطر أكثر منه رؤيةً وتقديرا سياسيا، فلا يملك الطرف المهزوم، هنا والآن، رفاهية تقديم أي هدايا من أي نوع لنظام عبد الفتاح السيسي، والصيغة الواقعية لمبادرة لتحرير المعتقلين هي منتصر يملي شروطه ومهزوم ينفذها، ولا يعني التنازل هنا سوى "المسؤولية" الحقيقية التي تحتاج من أصحابها شجاعةً تفوق شجاعة مواجهة النظام نفسه. النظام، بدوره يحتاج لإنجاز هذا الملف، لا أقول إنه "مضطر"، فهو ليس مضطرّا لأي شيء بخصوص معارضيه الذين قضى عليهم تماما، لكنه "منجز" يوفر عليه الكثير من "وجع الدماغ" أيضا بلا طائل، ويسمح له، ولو لمرّة، بتفعيل مادة دستورية وإنفاذها.

3FE3B96A-2A94-45F9-B896-FDC0381B3B7F
محمد طلبة رضوان