خروج السودان من قائمة الإرهاب: فرحة ناقصة

19 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

(1)

فيما تستفتح الخرطوم عهدا جديدا تودّع فيه حزم العقوبات والمقاطعات والتضييق الاقتصادي، بعد إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فإن غيوماً من الشكوك لا تزال عالقة في سماء ذلك العهد. نائبان أميركيان ديمقراطيان يتبنّيان دعواتٍ إلى بعض أسر ضحايا أحداث "11 سبتمبر" (2001) لحجب الحصانة عن السودان، بحجّة تورّطه في استضافة تنظيم القاعدة وزعيمه، أسامة بن لادن، في السودان منتصف تسعينيات القرن الماضي. تلك فِرية بيّنة وليس من أيّ صلة للسودان بتلك الحادثة. ما شجّع الطامعين من محامي أسر ضحايا تفجيرات "11 سبتمبر" إلا قبول السودان، صاغراً ومضطرّاً، تسوية مع أسـر ضحايا تفجيرات أخرى في السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، والتي لم يكن السودان ضالعاً، بطريق مباشر أو غير مباشر، في أحداثها، وهي أفاعيلٌ يعرف الداني والقاصي أنها من مسؤولية بن لادن، لا غيره..

(2) 

المشاكسات الدائرة بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن السودان لن تلغي ما تحفظه ذاكرة المخابرات الأميركية عن جرأة المخابرات السودانية، أوائل عام 2000، التي بادرتْ بتسليم رصيفها الأميركي كامل الملفات المتصلة ببن لادن. أقام الأخير لاجئاً في السودان في عام 1991 وغادره مطرودا عام 1996، ثم استولى نافذون في نظام عمر البشير المباد، وضمن ممارسات الفساد المستشري على ما ترك وراءه من أموال واستثمارات في السودان. اختبأ الرّجل في أفغانستان، وبعدها تسلل إلى باكستان. نشرت مجلة "فانيتي فير" الأميركية تلك القصة في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2001، بعد وقوع كارثة "11 سبتمبر" بنحو شهرين، وأبانت المجلة ذلك التبخيس الذي عاملت به الإدارة الأميركية وقتها تلك المعلومات الاستخباراتية.

كارثة "غزوة نيويورك"، كما سمّاها بن لادن، وأمر بها حين كان مختبئاً في باكستان، لم يكن من بين الذين ارتكبوها سوداني

وأكد ذلك السفير الأميركي السابق في الخرطوم وقتذاك. ظلت السفيرة سوزان رايس، مساعدة وزيرة الخارجية آنذاك، تردّد "إنها معلومات لا قيمة لها، وإنّ رجالنا في المنطقة يملكون معلومات أكثر وثوقية من معلومات استخبارات السودان". لم تدرك الإدارة الأميركية خطورة تلك المعلومات، إلّا بعد وقوع الفأس في الرأس بعد تفجير برجي نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2001. 

(3)

قبل أن تقدم الخرطوم على طرد بن لادن، كان قرار قد تمّ أيضاً بطرد كارلوس الذي اكتشفت المخابرات السودانية أنّ طرفاً سودانياً (ربما من أزلام البشير) أغراه بالاختباء في السودان. جرى تعاون وثيق مع المخابرات الفرنسية التي وثقتْ في المعلومات التي جاءتها من المخابرات السودانية، ولم تشكّك في مصداقيتها، وانتهى الأمر بكارلوس في المحكمة الفرنسية التي أودعته سجونها.. لم تجنح الإدارة الفرنسية إلى محاسبة السودان، كيف ولماذا اختبأ كارلوس في الخرطوم، بل شهدتْ تلك العملية الاستخباراتية دفئا في العلاقات بين فرنسا ونظام البشير، فلم تنزل عقوبات عليه، ولا اعتبرتْ السودان شريكاً في العمليات التي وقعتْ في فرنسا، وحمّلتْ كارلوس مسؤوليته كاملة عليها. في حين أعطتْ فرنسا جائزة للخرطوم، أنزلتْ الإدارات الأميركية المتعاقبة العقوبات على السودان.

جرى تعاون وثيق مع المخابرات الفرنسية التي وثقتْ في المعلومات التي جاءتها من المخابرات السودانية، ولم تشكّك في مصداقيتها

الأغرب الآن أن ينشط نواب في الكونغرس الأميركي، وبعد إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ساعين سعياً حميماً إلى حجب الحصانة السيادية عن السودان، بهدف مطالبته بتعويضات لأسر ضحايا بُرجي نيويورك في سبتمبر/ أيلول 2001، وإن المعلومات الأكيدة هي أن السودان غير ضالع فيها، ولا طائرة له فيها ولا طيّار.

(4)

كارثة "11 سبتمبر"، أو "غزوة نيويورك"، كما سمّاها بن لادن، وأمر بها حين كان مختبئا في باكستان، لم يكن من بين المجرمين الذين ارتكبوها أيّ سوداني. ويعجب المراقبُ أن يرى بعض النواب في الكونغرس يلاحقون السودان الذي أطاح شعبه حكم الطاغية البشير، وهو من استضاف بن لادن فترة وجيزة في الخرطوم، وأخرجه ذلك النظام مطرودا في 1996. يسعى أولئك النواب إلى توريط السودان بمسؤوليةٍ ما في "غزوة نيويورك"، فيما الذي أمر بها وأدارها، واكتشفت الإدارة الأميركية لاحقاً وخلال رئاسة باراك أوباما، أنّ ملاذه الآمن ومخبأه كان في باكستان، فأمرتْ الإدارة بقتله، وذلك في 2011. إنْ كانت كلّ تلك الوقائع غير غائبة عن أولئك النوّاب الأميركيين الذين يلاحقون السودان الآن، فما بالهم لا يلاحقون، على النحو نفسه، جمهورية باكستان الإسلامية، والمسؤولين فيها الذين سمحوا لبن لادن أن يختبئ في أراضيها؟ ولماذا لا يمضون إلى أقصى الخيارات، ويطالبون بمحاسبة باكستان، وبسداد تعويضات لضحايا تلك الكارثة التي حلتْ بنيويورك في سبتمبر/ أيلول 2001. وإذا مضى محامو أسر ضحايا "11 سبتمبر"، وطمعوا في تعويضات حقيقية، لكان الأحرى بهم أن يلتفتوا إلى مصر وبعض دول الخليج، إذ محمد عطا الذي دمّر البُرج الأول من ذينك البرجين، مصري الجنسية، وبقية الجُناة هُم من من تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، من جنسيات خليجية. .. لن يفعلوا ذلك بالطبع، فهم يرون السودان عندهم هدفاً أسهل.

(5)

خشية السودان أن يظلّ ملفه متداولاً يتشاكس حوله النواب الأميركيون، يخالف الديمقراطيون فيه الجمهوريين، إذ كانت معاقبة السودان بيد إدارة رئيس من الحزب الديمقراطي، هو بيل كلينتون، وترامب الجمهوري هو من أقرَّ رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب الدولي، وتبقت حصانة السودان السيادية قيد بحث وقيد ضغوط. لعلّ أغرب ما نرى هو دخول طرف ثالث له مصلحة واضحة في ذلك الملف.

بادرتْ إسرائيل، ومن دون طلب من أية جهة، بالضغط على أطراف في الكونغرس الأميركي لمساعدة السودان في إقرار حصانته السيادية، بما يتيح له الإدماج المستحق مع المجتمع الدولي، والانفتاح المرتجى على القوى المؤثرة فيه، فيخرج من كبواته السياسية والاقتصادية، ويعزّز من مدنية الحكم وديمقراطيته فيه خلال الفترة الانتقالية. إن لم تتم مزاوجة كل مصالح الأطراف المعنية للتعهّدات الثلاثية بين السودان والولايات المتحدة وإسرائيل التي كان عرّابها الرئيس الأميركي المغادر ترامب، فإنّ ملف الحصانة السيادية للسودان، وكذا ملف التطبيع، سيبقيان عالقين في مهب الريح.