خالص العزاء للشقيقة الكبرى .. غزة

30 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كنت أظنها لوثة استكبار واستعلاء، تلك التي منعت السلطات المصرية من الإعتذار عن حادث استهداف قارب الصيد الفلسطيني في مياه رفح، أو أنه الحرج من التعليق على ما جرى، لأسباب خارجية. غير أنه بخروج بوق الوطنية الملوثة بعوادم العار القومي والإنساني، محتلًا بمقتل الصيادين، ومتوعدًا بتصفية المزيد، أو"فرم المزيد" إن اقتربوا من المياه المصرية، يمكن القول إن الحادث ليس قتلًا بالخطأ، ولا استهدافًا عشوائيًا، بل إنه ليس من قبيل المبالغة أو التجنّي الذهاب إلى أنه تم قتل الصيادين على الهوية الفلسطينية، وأن الاستهداف رسالة بعلم الوصول إلى الداخل الفلسطيني، في رام الله وغزة، وإلى الكيان الصهيوني كذلك، تفيد بأن نظام عبد الفتاح السيسي ملتزمٌ بعقيدة كراهية غزة وكل ما هو فلسطيني حقيقي.

لا يمكن نزع حادثة القارب عن سياقها الزمني، إذ تأتي، مباشرة، عقب الإعلان عن نجاح المفاوضات الفلسطينية/ الفلسطينية في أنقرة، بين وفدي حركتي فتح وحماس، برعاية تركية، في تحقيق تقدّم على صعيد المصالحة الوطنية والذهاب إلى انتخابات.

هنا تكون الورقة التي تتعيش عليها سلطة عبد الفتاح السيسي، بالوراثة عن نظام مبارك، قد تبدّدت بفعل العدمية السياسية التي تتخبط فيها مصر الرسمية، لتفيق على صدمة تآكل جديد في مساحة دور الكنز الإستراتيجي الذي كان تلعبه، وتحصل على الثمن، وهو الدور الذي يتأسس على كتم أنفاس مشروع مقاومة الاحتلال من ناحية، والعبث بملف المصالحة الفلسطينية، المفتوح طوال الوقت بغير رغبةٍ في إتمامه، لتصبح القضية الفلسطينية أشبه بعجينة فطائر مجمّدة في ثلاجة النظام المصري، وبما يوفر الأمن الكامل للعدو الصهيوني.

ليس من المستبعد على الإطلاق أن يكون إطلاق النار على القارب الفلسطيني انعكاسًا لحالة تشنّج أصابت السياسة الرسمية المصرية، وهي تتابع أنباء انتقال ملف المصالحة بين الفصائل المختلفة إلى أنقرة، الأمر الذي يهدّد بفقدان الوظيفة الإقليمية لعبد الفتاح السيسي، وهي وظيفة ضابط الإيقاع الذي يضمن ركود القضية وتحويلها إلى طقس تفاوضي، لا يؤدي إلى شيء، ولا يتوقف عن الدوران.

منذ وقت مبكر، وفي يناير/ كانون ثاني 2016 وسلطة الإنقلاب العسكري في مصر تقاتل من أجل منع أي حضور للجانب التركي في الموضوع الفلسطيني، بل إن جزءً من العداء بين القاهرة وأنقرة يرجع إلى انزعاج الأولى من اقتراب الثانية من هذا الملف، ومن ذلك ما كشفت عنه "هآرتس" الصهيونية، قبل  ما يقرب من خمس سنوات، عن انزعاج مصري من احتمالات الوصول إلى اتفاق بين تركيا والكيان الصهيوني بشأن رفع الحصار عن قطاع غزة. وهو الأمر الذي عبر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالذهاب إلى أن من شأن أي تنازل لصالح دور تركي في غزة المسّ بالعلاقات الإستراتيجية مع مصر، كما نشر في ذلك الوقت.

كما لا يمكن تناول واقعة القارب، من دون استدعاء المقارنات مع مواقف أخرى مشابهة عبرت، مثل ذلك الذي جرى في ديسمبر/ كانون أول 2018 حين أذاعت محطة تلفزة إسرائيلية إن ضابطا مصريا زار قرية "نيتسانا" جنوبي الأراضي الفلسطينية المحتلة، للإعتذار عن رصاصات أطلقت بشكل خاطئ، خلال تدريب قرب الحدود ولم تؤد إلى إصابات بشرية، وإنما أصابت مقطورة بالقرية الإسرائيلية القريبة من الحدود.

غير أن الأهم، والأكثر مدعاة للهم، هو استدعاء قصة جندي مصر البطل، سليمان خاطر، حين أطلق النار على فوج سياحي صهيوني اقتحم منطقة عسكرية مصرية محظور الإقتراب منها في سيناء، فكان أن سجنه نظام حسني مبارك في ثمانينات القرن الماضي، وقبل أن تتم محاكمته قتلوه في زنزانته وادّعوا أنه انتحر، واعتبروه مجرمًا لأنه يعكر صفو السلام مع العدو الصهيوني.

تقول هذه المقارنة بوضوح إن مصر العربية خرجت من تاريخها وجغرافيتها، وتخلت عن هويتها وشخصيتها، منذ سلمت نفسها لمشروع السلام الصهيوني، حتى انحدر بها الحال إلى الاعتزاز بمعاداة مشروع التحرر الفلسطيني. 

وأظن أنه لا يمكن تفسير علامات الحقد والغل والتشفي التي رسمتها المصادر الرسمية على وجه بوق الإعلام الملوث، وهو يفتخر ببطولة اغتيال اثنين من الصيادين الفلسطينيين الفقراء، بمعزل عن فقدان النظام الذي يعبر عنه صوابه، بعد أن ودّع دور الوسيط بين الفرقاء الفلسطينيين، وتحول إلى متفرّج يتابع ما يدور في اسطنبول، فيقرّر في لحظةٍ أنه على خصومةٍ مع الجانب الفلسطيني، عله يجد في تل أبيب من يستمع إلى هذيانه، مجدّدًا التزامه بكل ما تحلم به إسرائيل.

خالص العزاء للشقيق الفلسطيني، ولغزة الصابرة التي تثبت لنا كل يوم أنها الكبيرة في صمودها وشموخها وترفّعها عن إساءات الكبار الذين تصاغروا وتضاءلوا إلى حد مخجل .. ولنا خالص العزاء في نكبتنا الحضارية والأخلاقية.