خالد سعيد: هل تذكر هذا الاسم؟

خالد سعيد: هل تذكر هذا الاسم؟

09 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

السادس من يونيو/ حزيران ذكرى مقتل الشاب خالد سعيد، أيقونة الثورة المصرية، كما هو محمد البو عزيزي للثورة التونسية، مرت من دون أن يتوقف عندها أحد، فلم يغرّد كبار المغرّدين، ولم تصدر جهة أو حركة أو حزب بيانًا، تتذكّر فيه "شهيد التعذيب" وتذكر فيه بالثورة.
أحد عشر عامًا مضت على واقعة مقتل الشاب السكندري تعذيبًا على يد اثنين من أفراد الشرطة، لتندلع بعدها الحياة في الأحزاب والقوى السياسية المتيبسة، وينطلق مدفع التغيير في مصر، فيعود محمد البرادعي من الخارج، ويطرح نفسه قائدًا للمشروع، منطلقًا من منزل خالد سعيد بالإسكندرية، داعيًا إلى الحشد بالتوكيلات المليونية.
كانت قضية خالد سعيد العنوان الرئيس لسردية ثورة يناير 2011 حتى جاء الثلاثون من يونيو 2013 فصارت عنوانًا فرعيًا صغيرًا، وشيئًا فشيئًا تحولت إلى سطر عابر في السياق الجديد، ومع الوقت أصبح تذكر القضية تهمة، أو طريقًا إلى الخطر، حتى وصلنا إلى اللحظة الحالية: لا أحد يتذكر، ليس جبنًا أو خوفًا من عواقب التذكّر، وإنما لأن الذاكرة اعتلاها الصدأ، وما يسمى الضمير الجمعي قد مات قتلًا وشبع موتًا.
بالتزامن مع ذكرى اغتيال خالد سعيد، كانت مدينته، الإسكندرية، على موعد مع اغتيال آخر، لكنه هذه المرة ليس اغتيال فرد، بل اغتيال مجتمعٍ بالكامل، حين افترست قوات الأمن آلافا من بسطاء المدينة خرجوا في تظاهرات ضد الإبادة والتهجير من بيوتهم، المطلوب هدمها لصالح بارونات الرأسمالية المتوحشة، تلك الرأسمالية المدجّجة بالحكم العسكري، والمطمئنة إلى أن المجتمع المدني قد ووري الثرى، وما بقي منه لا يقوى على الصراخ أو الهتاف أو حتى الشكوى، حتى أن اغتيال شركة الحديد والصلب قد مر على نحو أسهل وأسرع من حلاقة الرأس أو تقليم أظافر اليدين.
في مراعي "السوشيال ميديا" كان الحديث عما جرى في الإسكندرية، من إجراءات قمعية ضد رافضي التهجير، يستدعي وقائع حي الشيخ جرّاح في القدس المحتلة، لمناسبة تظاهر الآلاف من مواطني عزبة "نادي الصيد" في منطقة "أبيس"، في محافظة الإسكندرية، ضد مخطط لتهجيرهم من المنطقة التي يقطن بها نحو 16 ألف نسمة، وتقع على مساحة 51 فداناً، رافعين شعار "تطوير لا تهجير". 
بعيدًا عن حجم التهويل أو التهوين في موضوع تهجير مواطني نادي الصيد بالإسكندرية، فإن اللافت هنا أن التظاهرات العارمة مرّت من دون أن تعرف طريقها إلى الصحف اليومية والشاشات، أو تتسلل إلى سراديب ما يسمى مجلس النواب، للمناقشة أو الإحاطة أو التساؤل، كما لم تحرّك شهية المجتمع المدني لكي يهتم بها، أو يتبنّاها، أو حتى يستوضح أمرها.
في سياق عام من التعايش، أو التواطؤ العاجز، مع ابتلاع الدولة المتغوّلة للفرد، يصبح الحديث عن مناعة اجتماعية أو دور لمؤسسات المجتمع الأهلي في حماية الأفراد ضربًا من الخيال، في ظل الانسحاق الكامل للقوى التي انطلقت في نضالها الثوري من مقتل شاب واحد (خالد سعيد) أمام النظام الاستبدادي الذي ورث تركة النظام القمعي الذي أسقطته قبل أحد عشر عامًا.
 في مثل هذه الأوضاع، تمرّ قضية الاغتيال الفني والمعنوي والقهر الوجودي لمطربة ارتبط اسمها بثورة يناير، آمال ماهر، من دون أن يتكلم أحد، أو يهتم، ولو حتى مدفوعًا بغريزة النهم الصحافي، لمعرفة ماذا حدث، أو ما الذي يجعل فنانة موهوبة، ذائعة الصيت، تسلم بهذه السهولة لرغبة الإبادة المتوحشة، المحمّلة بالغبار والرمل.
هل يكفي القول إن شراسة الاستبداد الحالي فرضت على الفرد، ومن ثم المجتمع، أن يتكيّف مع عجزه، ويرضى به، ويخترع له مسميات لطيفة، أو يدفنه في كومةٍ من الشعارات الرنانة، ويقنع نفسه بأن لا مجال للتمسّك بالحرية أو الكرامة الإنسانية، لأن واجب الوقت أن يتخلى عن كل شيء ويتذكر أنه جندي في معركة من أجل المياه؟ وهل ثمّة تعارض أو تناقض بين أن تناضل لكي تعيش حرًا وكريمًا، وبين أن تحارب لكيلا تموت عطشًا؟
الشاهد أن الذين تسبّبوا في عطش الجماهير للحرية والكرامة، هم أنفسهم الذين فرّطوا فيما يحمي هذه الجماهير من الهلاك عطشًا للمياه. ومع ذلك مطلوبٌ من ضحايا العطشين أن ينضموا إلى قوافل التهريج السياسي التي وجدت في قضية السد الإثيوبي مدخلًا إلى ملاطفة الاستبداد ومداعبة الجلادين، في ملاهي الوطنية المستحدثة، تلك الوطنية التي يفهمونها على أنها سحق الإنسان لكي يعيش الوطن.
للمرة الألف، الوطن هو الإنسان، كما هو الأرض والحدود، ولا يكون بخير إذا كان أحد مكوناته ليس بخير، كما تظل الوطنية منقوصةً، إن تغاضت عن تقطيع خرائط الوطن الإنسانية، واستبسلت في الدفاع عن الخرائط الجغرافية.