خاطرتان لنهاية العام

29 ديسمبر 2020
الصورة

( بول غيراغوسيان)

+ الخط -

النّصُّ
يضمُر النَّصُّ وينكمش. يحلُم بأن يصبح جُملةً، مُفردةً، فاصلةً، لا شيء. يشتهي بياضا أزليًّا لا تُقلقه رقطة، نقطة، ذرّة غبار. لقد ابتلع النصُّ ذاتَه وانهار عليها كما تفعل الثقوب السوداء. لقد امتلأ وزخر وغزر وتكاثر وتضخّم وتعاظم، حتى انفجر طاقةً عمياء. هذا ما يتمنّاه النَّصُّ في نهاية هذا العام، في نهاية المطاف، في النهاية، أن يبصق موادّه كلها، عصيره، خلاياه، يمّحي، فلا تفرّ منه حروفٌ أو نقاطٌ أو حركات. يودّ لو يستكين، يستلقي ناصعًا، صامتًا، جليلا كجبلٍ تغمره الثلوج، نائيا كقمر بعيد، هادئا كذكرى. لقد تعب النصُّ من ذاته، من الجمل غير المفيدة، من الكلام المكرّر المعاد، من الأفكار البالية فاقدة الطعم، الأمنيات المهلهلة، الجمل البكّاءة التي ترنّ كطبل. لقد قرف النّعيَ واللّعيَ واللّطمَ والجعجعة، كره الزوايا المدوّرة، الاتفاقياتِ المعقودة فوق الدماء، الغضبَ المصطنعَ المغشوش، الجمالَ المدّعي بائعَ الوهم. سئم الشفاهَ الملوّثة تقذف رذاذا مسمومًا في الوجوه، الأيدي المرفوعة المهدِّدة، مبذِّرة الحيوات. كره العتمةَ التي تختبئ في ظلّ عواميد الكهرباء، الزوبعة التي دومًا تنتهي في فنجان، الأعاصيرَ التي تختنق قبل الوصول، والبحّارة الذين لا يُبحرون. لقد قرف الموتَ، والموتى، وأهلَ الموتى الذين يموتون من دون أثمان، وأبناءَ الموتى الذين يكتفون بالعزاء، الندّابات والمعزّين والمنشدين وحمّالي التوابيت، وتلك البقاعَ الذليلة التي تزرع الانتظار وتسقيه احتضارا. أجل، لقد قال النصُّ ما قاله، ثم صمت. جهد في الوصول ونوّع وأنشد ورقص، ولكن لم يُصغِ إليه أحد. شرّع الخيالَ وأفرغ الآبار، فما قرأه الماضي ولا التفت إليه الحاضر، فما الجدوى وإلى متى وما مفاد كل هذا القول والترداد.
النصُّ ذوى، في مزهريّة الزمن، متّكئا على رماد المعنى، سابحا في الخراء.
2020.
يومان بعدُ ونفترق. أسلخكَ عن جلدي بالسّكين، وأعرف أن ثمّة ما سيبقى لاصقا فيّ منك. وأمّا ما يمكن نزعه، فسيترك ندبةً تحتاج وقتا كي تلتئم، بشكل غير تام. منذ عشرينياتي وأنا أنتظر حلولَك. أستعدّ لك، وأراك زائرا استثنائيا سيجلب معه ما قد ينتظره بعضهم قرونا. هو الحدس، وهو يقيني أنه حين ستأتي، سأكون قد بدأت مسيرتي نحو العمر الذي سيروح يتناقص، لا يزداد، كأنه الجدار الذي ما أن تبلغه وتتجاوزه، حتى يتكشّف لك معنى الحياة. لقد انتظرتُكَ وحلمتُ بك ولم أخشَك بتاتا، ولم يخطر ببالي ألبتة سوى أنك ستكون مفاجأة كبرى ستفوق جميع التوقعات. حين سيحلّ العام 2020، أكون قد أصبحتُ كذا وكذا، والحياة هكذا وكذا، والبلاد في أمنٍ وسلام. ولا أراني إلا متبسّمة، أنا التي لم أتفّق والتفاؤل كثيرا أو تواعدنا على لقاء قريب أو بعيد. أفكّر بمجيئك كمكافأة، كأمل أخير، كتتويج لتعب هائل، لإنهاكٍ بدأ منذ مراهقتي الأولى، مع اشتعال الحرب الأهلية في لبنان، واستمرّ طوال سنوات. حينها، لكي أدافع عن نفسي حيال كل تلك الخسارة والخوف والدمار، كنت أمنّيها بك، بالأفضل وأمنح ذلك الأفضلَ وقتًا كافيًا لكي لا يتبقّى في جعبته أيُّ عذر. أرسل مخيّلتي إلى أقصى ما أستطيع وتستطيع، فتصل إليك، وكأنك المنتهى والمرتجى والكنز الذي سينفتح في نهاية الطريق. لقد آمنتُ بك طويلا، وانتظرتك عمرا، وحلمتُ بك، مدركة بحدسي الغبيّ أنك ستفوق كل التوقّعات، لكن ليس في الاتجاه الذي سلكتَ.
يا أيها العام الذي سينتهي بعد يومين، لا تتشبّث بي، أفلت يديّ وامضِ طواعية إلى مقبرة الأعوام. ولا تضمر لي شرّا أو حقدا أو ضغينة، فقد تحمّلتك بكل ما اجتمع فيّ من قوة وعزم. لقد كنتَ قاسيا، عاتيا، مؤذيا، فتّاكا، مدمّرا، وسببا ليأسٍ ومرضٍ وفقدانٍ كثيرين. امضِ واخبر من سيأتي من بعدك، أننا شبعنا أشواكا ولا نرغب بغير نورٍ وورد.