حين يُقسَّم الدم السوري بين خرائط الولاء

29 مارس 2025   |  آخر تحديث: 02:51 (توقيت القدس)
+ الخط -

غالباً ما تميل المجتمعات التي تمزّقها الصراعات والحروب إلى تصنيف الضحايا وفقاً للسياسة والإعلام والانتماءات الأيديولوجية. ربّما لم يعد معيار الألم أو العدالة الفيصل، بل الولاءات المسبقة التي تحدّد من يستحقّ التعاطف ومن يُترَك في الظل. في المشهد السوري اليوم، يتجلّى هذا بوضوح، فلم تعد المفاضلة بين الضحايا مجرّد موقف اجتماعي عابر، بل أصبحت نهجاً متأصلاً لدى بعضهم، يعيد إنتاج الظلم بدلاً من مواجهته، في مفارقةٍ قاسية تتورّط فيها أطياف اجتماعية مختلفة، كلٌّ وفق مصالحه وحساباته، وهذا أحد وجوه الانقسامات الداخلية التي تعمّقت في ظلّ تآكل نظام الأسد، وتبدّل مراكز القوى.

يستشهد حكّام سورية الجدد اليوم بمصطلح "العقد الاجتماعي"، غير أن الواقع لم يُخرجه بعد من إطاره النظري وسحره الثوري، وصاحبه جان جاك روسّو (1778)، شدّد على أن العقد الاجتماعي يقوم على الإرادة العامة، التي تمثّل مصلحة الجميع، ويضمن من خلالها تحقيق العدالة والحرّية. والعدالة، بدورها، تمثّل شرعية الدولة ولبّ الثورة السورية التي انطلقت مطالبةً بالحرّية والعدالة لكلّ السوريين، وكان يُفترض أن تُجسّد هذه المبادئ. لكنّها (كغيرها من الثورات)، وجدت نفسها أمام اختبار أخلاقي بالغ الصعوبة: كيف تحافظ على القيم التي نشأت من أجلها وسط تصاعد العنف والرغبة في الانتقام؟... يُطرح هذا التساؤل اليوم بإلحاح أكبر من أيّ وقت مضى في ضوء ما شهدته مناطق الساحل السوري، وسواها، من تطوّرات، إذ بدت العدالة رهينةً للحسابات السياسية، والمواقف المسبقة أحياناً كثيرة.

لا يمكن تبرير أيّ انتهاكات ضدّ المدنيين تحت أيّ ذريعة، فالعدالة لا تتجزّأ، والدولة تُبنى على سيادة القانون لا الانتقام. في هذا السياق، أعلنت الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، تشكيل لجنة للتحقيق في انتهاكات الساحل السوري، بهدف الحيلولة دون وقوع مظالم جديدة. غير أن السؤال الملحّ اليوم: لماذا، رغم هذه المبادئ كلّها، لا يزال بعضهم عالقاً في مأزق أخلاقي يدفعه إلى تبرير قتل المدنيين؟ أليس هذا النقيض تماماً لما قامت الثورة لأجله؟... لقد تساءل ألبير كامو (1960): هل يمكن لأيّ قضية عادلة أن تبرّر القتل العشوائي؟... الثورة، إن انحرفت نحو الانتقام، تفقد شرعيتها الأخلاقية. وكلّ انتهاك، مهما كان مرتكبه، يستدعي المحاسبة. إن الانتقائية الإعلامية وازدواجية المعايير كشفت في الأيام القليلة الماضية مفارقةً قاسية: بعض الجرائم تُدان بشدّة، وأخرى تمرّ في صمت وفق حسابات سياسية. الإعلام والمنظّمات الحقوقية، التي يُفترض أن تكون معياراً للعدالة، تسقط بعض المرّات في فخ التوظيف السياسي، ما يُكرّس السرديات التفضيلية ويحوّل الضحايا أدواتِ تبرير عابرة. هل هذا ما خرجت الثورة من أجله؟ أم أننا أمام إعادة إنتاج للظلم بصياغات ناعمة تحت الشرعية الثوريّة؟

 لا بدّ من تبنّي رؤية أخلاقية وإنسانية تضع العدالة فوق الاعتبارات كلّها، وتُسقط التصنيفات التي تُفرّق بين السوريين وفقاً للانتماءات السياسية أو القومية أو الدين

من ناحية أخرى، لا تقتصر المسألة على الإعلام وحده؛ فثمّة فرقٌ كبيرٌ بين توصيف المشكلة بموضوعية وتبنّي موقفٍ في أثناء تحليلها. كثيرون في سورية، وعبر الفضاء الإلكتروني، لا يميّزون بين الاثنين، يبنون مواقفهم استناداً إلى رؤاهم الشخصية أو رغباتهم أو مخاوفهم، لا إلى الوقائع والتحليل غير المنحاز. بهذه الطريقة، يغدو التحليل أداةً للدفاع عن الموقف، لا وسيلةً لفهم الواقع. وفي سياق تساقط الضحايا، راح بعضهم يستخدم تهماً سياسيةً وتحليلاتٍ مصدرها قناعاتٌ ذاتية. هذه المفاضلة غير الوطنية كثيراً ما تقود إلى إحباط شعبي، كما تُعمّق الإحساس بتراجع العدالة، وهو ما يُغذي دوائر العنف والنزاع. وعلى الصعيد الاجتماعي، بدأت أخيراً تتكرّس عقليةُ "الضحية المفضَّلة" في سورية، فيطالب بعضهم بالتعاطف الحصري مع ضحايا فئتهم أو طائفتهم، بينما تُهمل معاناة الآخرين أو تُبرَّر، وكأنّ العدالة باتت تُوزّع بميزان المصالح والانتماءات. وكما قال ألبير كامو: "لا يمكن تبرير القتل، حتى عندما يكون باسم العدالة"، لكنّ أحداً من أولئك الذين لم يشاركوا في القتل لم ينتبه إلى الهاوية الإنسانية التي كشفت عنها إفادات الشهود وسيل التوثيقات المنشورة: الضحايا لم يعودوا مجرّد بشرٍ قُتلوا ظلماً، إنما تحوّلوا أدواتٍ تُستخدم لتبرير أفعال معيّنة أو لتصفية حسابات سياسية. وهكذا، بدل أن تكون معاناتهم شهادةً على ضرورة إنهاء الانتهاكات، تصبح وقوداً لاستدامتها، في حلقةٍ عبثيةٍ لا تنتهي، بداية من الأخذ بالثأر، وصولاً إلى تهالك الثقة بين أفراد المجتمع وبعض المناطق السورية.

الشعوب التي تفرّق بين دماء أبنائها، تحكم على نفسها بالتيه في دوائر الانتقام، وتؤسّس لمستقبلٍ مشوّه

وفي مواجهة هذا الواقع الغارق في دماء الضحايا الجدد، لا بدّ من تبنّي رؤية أخلاقية وإنسانية تضع العدالة فوق الاعتبارات كلّها، وتُسقط التصنيفات التي تُفرّق بين السوريين وفقاً للانتماءات السياسية أو القومية أو الدينية. يجب أن تكون المحاسبة مبدأً ثابتاً، لا استثناء فيه ولا مساومة، والجريمة يجب أن تُدان، بغضّ النظر عن هُويَّة الجاني أو الضحية. لكنّ الحقيقة أن هناك انتقائيةً لم تقتصر على السياسة والإعلام، بل تسلّلت إلى الفضاء السوري الإلكتروني بقوة، إمّا مدروسةً أو مرتجلةً، فنمت خطابات الكراهية والتمييز، وأعيد إنتاج العنف والاحتقان الاجتماعي في أدبيات التواصل، وفي أرض الواقع، وفقاً لمقابلات أجراها كاتب هذه السطور مع سوريين شهدوا كارثة قتل مئات السوريين من عناصر الأمن، وعائلات بأكملها، خلال صدامات الساحل السوري أخيراً.

منظّمات حقوق الإنسان والإعلام والمجتمع المدني مطالبون اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، برفض هذا الانحدار الأخلاقي، والعمل على تعزيز معايير موحَّدة تُدين الانتهاكات كلّها، من دون ازدواجية أو انتقائية، كما أن على النخبة الوازنة من أقلام سورية وعقول مفكّريها، أن تنشر بوعي وصدق الخطاب الإنساني الواضح: لا تبرير لقتل الإنسان. إن المفاضلة بين الضحايا ليست مجرّد انحراف أخلاقي مؤقّت، إنما هي جريمة تضاف إلى سجل الانتهاكات بحقّ الإنسانية نفسها في سورية. الشعوب التي تفرّق بين دماء أبنائها، تحكم على نفسها بالتيه في دوائر الانتقام، وتؤسّس لمستقبلٍ مشوّه، لا مكان فيه للعدالة. الويل لمجتمعٍ يقيس آلام ضحاياه بموازين المصالح، لا بموازين الحقّ وسلامة الجميع.