حين يُستَغلُّ دمُ غزّة في أبراج التنظير الفوقي

21 نوفمبر 2025
+ الخط -

الاستغراق في الحديث عن "التحوّلات الكبرى" و"التغييرات الجيوستراتيجية" و"الإزاحات العميقة" في موازين القوى، إقليمياً وعالمياً، المترتّبة من حدث أو أحداث معينة، وإغفال تعقيدات الواقع القاسي وتداعياته التي قد تكون وجوديةً، قد تتحوّل نوعاً من التخدير والخداع والتضليل الذي يمارسه بعضهم في حقّ الذات وحقّ الآخرين. هذا لا يعني إنكار الإطار الأبعد والأوسع والأشمل ما وراء إكراهات الواقع وإحباطاته، لكن من دون التغاضي عن حقيقة معركة الحاضر، التي قد تؤدّي خسارتها إلى انعدام أفق المستقبل المَرْجُوِّ أو المُسْتَشْرَف. ومن عجبٍ أن الاستغراق في عالم التنظير الفوقي المنبتّ عن الواقع، والاستفاضة في توصيف الحال المرير من دون طرح وسائل علاجه، والهذيان في عوالم "التحوّلات الكبرى" و"الجيوسياسية" و"الاستراتيجية"، في وقت تصارع فيه الذات عواصف أتون الواقع الوحشي التي تكاد تُبَدِّدها، تحوّلت لدى بعضهم طريقاً رخيصاً للشهرة يمارسه مُدلِّسون يملكون حِسّاً دقيقاً حول ما يطلبه "المُستمِعون" و"المُشاهِدون" فتراهم يدغدغون عواطفهم وطموحاتهم، التي قد تكون تهيم في فضاء الوهم لا عالم الحقيقة.

ينسحب التكثيف السابق على عملية طوفان الأقصى (أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، وحرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة. أطلق "الطوفان" جملةً من التحوّلات الإقليمية والدولية الكبيرة والعميقة التي قد تعيد تشكيل مشهدَيهما. لكن، لا بدَّ كذلك من الاعتراف بجملة من الأمور. أولاً، إن كثيراً من التحوّلات لم تكن مقصودة لذاتها وبذاتها في أذهان أصحاب "طوفان الأقصى"، وغالبها يدخل في سياقات "غير المقصود" و"غير المُتنبَّأ به" و"غير المُستشرَف". وبالمناسبة، هذا مساق قائم بذاته وموجود في حقل التحليل السياسي، وربّما تكون لنا عودة إليه. ينتظم في هذا السياق تشتيت انتباه الولايات المتحدة، مرّة أخرى، عن التركيز في احتواء الصين الصاعدة بسرعة "خصماً جيوسياسياً" لها، والساعية لاستبدال الهيمنة الأميركية العالمية، اقتصادياً وعسكرياً، أو على الأقلّ مزاحمتها في المجال العسكري، بعدما نجحت اقتصادياً في ذلك. كما ينتظم في ذلك نزع الشرعية الأخلاقية عن إسرائيل عالمياً، بما في ذلك في حاضنتها الغربية شعبيّاً. هذان تحوّلان لا ريب هامّان، ولكنّهما ليسا بالضرورة دائمَيْن وثابتَيْن. نزع الشرعية الأخلاقية عن إسرائيل أمرٌ قابل للانتكاس والارتكاس والعكس وإعادة التوجيه، ذلك أن الطرف الآخر ليس غافلاً، وجهوده واستثماراته في ميدان الوعي العام معلومة وكثيفة. أمّا في سياق إعادة تعريف موازين القوى العالمية، فإنها لا تعني كثيراً إن لم يكن ثمّة مشروع قومي قادر على الاستفادة منها وتوظيفها واللعب على تناقضاتها. دع عنك أن تكون الصين راغبةً ومهتمّةً بأخذ جانبنا في هذه المعركة، هذا إذا كان العرب قادرين أصلاً على الاتحاد لإغراء الصين بكسب وُدِّنا. ولا ينبغي التقليل هنا من فرص نجاح واشنطن وتل أبيب في حسم معركة المنطقة لصالحهما، وهو ما يعني تعزيز موقع الولايات المتحدة في منافسة الصين والتفرّغ لها من جديد.

وحدها المقاومة الفلسطينية الباسلة وشعبها الصامد، وقليل من مؤازريهما خارج فلسطين المحتلّة، هم روافع التغيير وأساس التحوّلات المرجوّة

ثانياً، لا تنفي تلك التحوّلات أن الفلسطينيين، وتحديداً في قطاع غزّة وفي الضفة الغربية امتداداً، يخوضون معركة بقاء ووجود. حرب الإبادة والتجويع مستمرّةً في القطاع، وإنْ بأدوات أخرى أقلّ توحّشاً، لكنّها لا تقلّ خطورةً عن العامَيْن الماضيَّيْن، واحتمالات تهجير الغزّيين قائمةً، طوعاً أم كرهاً (كلاهما بالإكراه من حيث الجوهر)، وجلُّ القطاع سيبقى محتلّاً، على الأغلب. أمّا في الضفة، أين يستشري الاستيطان اليهودي وتتمّ عمليات تهجير واسعة بحقّ الفلسطينيين داخلياً، تُغطّيها الجرائم المُروِّعة في قطاع غزّة، لم تعد احتمالات التهجير إلى خارج فلسطين المحتلّة سيناريو مستبعداً. ينسحب الأمر نفسه على البلطجة الإسرائيلية في المنطقة ككل، في لبنان وسورية وإيران واليمن، في ظلّ عجزٍ أو تواطؤٍ عربيٍّ مُخزٍ. ثالثاً، وهذه نقطة شديدة الأهمية، فالركون إلى التنظيرات الفوقيّة والاستشرافات المستقبلية الواسعة من دون أطر وجهود تسندها في عالم الواقع فيه ظلمٌ للفلسطينيين، وتحديداً في قطاع غزّة، والذين يُحمّلون عبء مشروع التحرّر والتحرير الهائل، كما يُعاملون وقوداً في معركة كبرى، في حين لا يملك المُنظِّرون لها رؤيةً ولا خطّةً، بل ولا حتى قائداً. كثيرون يستغرقون في التنظير، في حين لا يدفعون ثمناً له، بل إن كثيرين أصبحوا مُترزِّقين، مادّياً ومعنوياً، من مثل ذلك التنظير الذي لا يكلّفهم شيئاً. وحدها المقاومة الفلسطينية الباسلة وشعبها الصامد، وقليل من مؤازريهما خارج فلسطين المحتلّة، هم روافع التغيير وأساس التحوّلات المرجوّة، لكن ذلك غير قابل للاستمرار ولا النجاح من دون إسناد حقيقي.

ترقى دغدغة عواطف العوام إلى التزييف والخداع، وهي خيانة لتضحيات من تُرِكوا وحدهم في أتون معركة وجود متوحّشة. ولنكون أوفياء لتضحيات غزّة، فإن المطلوب ممّن يقدّمون أنفسهم "مُنظِّرين جيوسياسيين" (بالمناسبة كثير من هؤلاء يستلُّ عبارةَ الجيوسياسي وهو لا يدرك حقيقة كنهها ومعانيها) أن ينزلوا من أبراجهم العاج إلى ميدان الفعل، وأن لا يبقوا حبيسي التأطير والتنظير فحسب، وأن يكونوا شركاء، ولو نسبياً، في الهمِّ والعبء والتضحيات. بغير ذلك، تكون تنظيراتهم تقديماً للفلسطينيين في الأرض المحتلة، وداعميهم الحقيقيين في الساحات المختلفة، كبش فداء لشهرتهم وتكسُّبهم من تلك الشهرة، ونوعاً من البحث عن إرضاء غرورهم واستشرافاتهم، التي يظنّون أنها مُسجَّلةٌ بأسمائهم وحدهم، في حين يكاد حتى الأعمى أن يراها.