حين يغضب المصريون البُسطاء

28 سبتمبر 2020
الصورة

لم تُفاجأ السلطة في مصر بموجة الاحتجاجات التي اندلعت قبل أيام، بل فوجئت باستمرارها عدة أيام متوالية، ووقوعها في مناطق وقطاعات جديدة على خريطة التظاهر والاحتجاج في المجتمع المصري. على خلاف موجات الاحتجاج السابقة التي كانت تقودها المدن الكبرى وعواصم المحافظات، وتتركّز بين الطبقات المتعلمة والمتوسطة اجتماعياً، خرجت احتجاجات سبتمبر/ أيلول 2020 من الريف المصري بالأساس، إضافة إلى مناطق لم يُعرف عنها سابقاً أي مظهر للاحتجاج، مثل محافظة المنوفية المعروفة بموالاة السلطة في مصر، أيّاً كان النظام الحاكم، وهي المحافظة المصدّرة للمسؤولين التنفيذيين في مختلف المجالات، ولها النصيب الأكبر في قيادة معظم الوزارات والهيئات الحكومية. وأيضاً محافظة أسوان المعروفة بطيبة أهلها، ورفضهم العنف، وجنوحهم دائماً إلى عدم التصادم مع السلطات. ما حدث هذه المرة أن الأسوانيين خرجوا يوم 20 سبتمبر، وأحرقوا استراحة رئاسة الجمهورية هناك. ولم تكن أسباب الاحتجاج مسيَّسة، ولم يمارس المحتجّون السياسة بأي شكل، بل معظمهم من بسطاء الناس، بين فلاحين وعمال وصغار أصحاب الأراضي الزراعية.
ما جمع بين هؤلاء، الضرر الشديد المباشر الذي وقع عليهم، وعلى قطاعات الشعب كافة، من سياسات الابتزاز والجباية التي صار نظام الحكم في مصر يمارسها بإمعان واطّراد مدهش، إلى حد أن بعض الإجراءات المتخذة لا تفسير موضوعياً لها. والمثال الصارخ على ذلك، تخفيض الحكومة المصرية، قبل أسابيع، وزن رغيف الخبز عشرة غرامات! في تصرّف شديد الرمزية محدود التأثير الفعلي، سواء في إضراره بالمواطن، أو في ما يوفره للحكومة من أموال، وبالتالي هو قرار مستفز وغير مفهوم، إلا إذا كان غرضه القهر والإمعان في كسر كرامة المصريين، وإجبارهم على التعايش بلا تذمر مع أوضاع تزداد تدهوراً من دون مبرّر. 
ولا بد من الإقرار بأن المصريين ساعدوا على ترسيخ هذه الصورة الذهنية المتوارثة عنهم، بأنهم شعب صبور حمول، ما ساعد بقوة على إيهام السلطة بالاستقرار واستتباب الأوضاع بشكل شبه كامل، فقد تحمّل المصريون حزمة إجراءات تقشفية، بموجب الاتفاقات المبرمة مع صندوق النقد الدولي، فرُفع الدعم كاملاً عن الوقود والكهرباء والغاز والمياه، وهي الموارد الأساسية التي تُسيّر الحياة اليومية للشعب، فضلاً عن أن قطاع الطاقة تحديداً يعدّ المحرك لكل قطاعات الحياة، فلا تقتصر أهميته على الإستخدامات المنزلية، بل يتحكّم أيضاً في النقل والمواصلات العامة والخاصة، وتشغيل المصانع والمنشآت. وكانت النتيجة المباشرة لرفع الدعم عن الطاقة، بمختلف أشكالها (منتجات بترولية وغاز وكهرباء)، ارتفاع أسعار كل متطلبات الحياة اليومية، وفي مقدمتها السلع الغذائية.
غير أن قدرة بسطاء المصريين وفقرائهم على تحمّل شظف العيش والتكيف مع الغلاء بالاستغناء أو الاستجداء، وقفت عاجزةً أمام هدم المنازل وتشريد الأسر، فخرج الأمر عن حدود التحمّل والصبر، خصوصاً بعد توقف شبه كامل للأعمال وضياع آلاف من فرص العمل، فانضمّ أصحابها إلى قوائم البطالة، من المصري البسيط الذي لا يفقه السياسة، ولا يتعاطاها، بلا عمل يرتزق منه، ولا منزل يؤويه، ومطالب بدفع زياداتٍ غير منطقية في الضرائب ومصروفات التعليم (بداية العام الدراسي بعد أيام). بينما حمّلت الحكومة بالفعل كل مواطن حصة من تكاليف مواجهة أزمة كورونا التي كان هو المتضرّر الأكبر منها. 
هذا ما لم تفهمه دوائر السلطة في مصر، أن ذاك المواطن البسيط، المشغول بقوته وبحياته اليومية، ولا قبل له بالسياسة، تعطّل رزقه، وصارت حياته تلك مهددة، ولم ينفعه النأي عن السياسة بشيء، فلم يعد لديه حافز للسكون والكمون كما اعتاد، ولم يعد لديه ما يخشى منه أو يخشى عليه.