حين يصبح الفرحُ في فلسطين خيانةً
من افتتاح إيكون مول في رام الله (وسائل التواصل الاجتماعي)
مَن منّا نسي تلك اللحظة العفوية، حين تشابكت الأيادي، ودبكت الأقدام على أنغام الدلعونا والعتابا و"علّي الكوفية"، في حرم جامعة بيرزيت، وانتشر الفيديو في مواقع التواصل الاجتماعي فأثار هجوماً وضجّةً، ما بين معارض وبعض المؤيّدين، إبّان هبّة القدس في يناير/ كانون الثاني عام 2016. استهجن الناشطون الرقص، حتى لو كان فلوكلوراً، لا سيّما مع وجود هذا الفقد كلّه من الشهداء في الجامعة وخارجها. وذهب آخرون إلى أن للدبكة الفلسطينية أصولها وزيّها التراثي، فيما استغرب آخرون اشتباك الأيادي بين الصبايا والشباب، وأنه خارج إطار الدين والعادات والتقاليد. وكتب الإعلام العبري عنواناً لافتاً "رقصة دبكة تثير حفيظة الفلسطينيين. هل الفرح مسموح؟".
اليوم، ومع ازدياد انتشار وسائل الإعلام الاجتماعي أو (كما تفضّل كاتبة هذه السطور تسميتها) وسائل الشرّ والتشهير، أثار افتتاح مجمّع تجاري في رام الله موجةَ غضب الناشطين في هذه المواقع، وفي الشارع الفلسطيني والعربي والدولي. هذا الافتتاح الذي تأجّل بسبب الإبادة أكثر من أربعة شهور، ورغم أن غزّة كانت عنوان الحفل، لكنّ رقصةً تعبيريةً، ووجود مسؤولين رسميين، أجّجا الحدث الذي نُظِّم وغزّة تحت الإبادة. ومن دون مع أو ضدّ، تحلّل هذه المقالة الحالة العامّة.
لنكن أنصاراً للفرح والأمل الذي يشحذ هممنا في مواصلة النضال، أمّا الغرق في الحزن فإنه يقتلنا من الداخل
بين الحدثَين فارقٌ واحد، ووجه واحد للشبه. الفارق هو الشقّ التجاري والمدروس للحدث، والاحتفاء برأس مال لبناء مجمّع كلّف الملايين في الضفة الغربية من الأرض المحتلة، وهو استثمار ينطوي على مخاطرة كبيرة، فيما أخذ الحدث في الجامعة طابعاً عفوياً طلابياً لا أكثر. أمّا التشابه فهو التعبير الفنّي عن الحدث، وهذا يكشف نقاط ضعف المجتمع في عدم تقبّل الفنّ لا سيّما تحت الحرب، في بلاد عُرِفت منذ ما قبل النكبة أنها كانت محطّةً لأشهر الفنّانين العرب، ومسرحاً لحفلاتهم، عدا عن المسارح ودور السينما في القدس ويافا ورام الله وغيرها، لكنّ النقد طاول الحدثَين (للأسف!) بهجوم قاسٍ وصل إلى مناحٍ شخصية ضدّ مسؤولين، وفتيات وفتيان في مقتبل العمر أجادوا الدبكة أو الرقص التعبيري.
الحدثَان هما أبلغ مثال على أن الفلسطينيين شعب منقسم على الفرح، ونعيش تناقضات يجب ألّا تأخذنا بعيداً كي لا نغرق في وحل أراد لنا الاحتلال أن نتلوّث به، وأرادته لنا الدول الرأسمالية الغربية، التي تبني استراتيجيتها في المنطقة على "التقسيم والانقسام"، لنبدو أضعف ممّن يستحق دولة مثلاً. وكلّها قضايا تراكمية قد تبدأ من انقساماتنا وتناقضاتنا التي لا نريد لها أن تطغى على عزيمتنا وإصرارنا على الحياة، التي يدركها العالم، ولا تنتهي أبداً، فتشمل كثيراً من القضايا الاجتماعية التي يسعى الاحتلال إلى التشكيك فيها ونخر المجتمع الفلسطيني من الداخل.
حياتنا في فلسطين مزيج من الحزن والفرح، حتى إنّنا نحاول إيهام أنفسنا أن الشهادة مدعاة للفرح والفخر والفوز بالجنّة فحسب، رغم أن الحزن يتربّع في قلوب الأمهات والعائلات الثكلى، فلا تصدّقوا فرحاً أو زغرودة على شهيد، فقد زرنا بيوت الشهداء، ووجدنا أن ملابسهم لا تزال معلّقةً منذ عشرين عاماً، وأن السرير بقي في حاله ذكرى قاسيةً وألماً لا يمكن وصفه.
ندرك جيّداً أن حياتنا تحت الاحتلال المستمرّ منذ 77 عاماً تعني أن جنازات الشهداء مستمرّة، والولادات والأفراح أيضاً، وتحت حرب الإبادة على سبيل المثال اختار كثيرٌ من الفلسطينيين في الضفة الغربية إلغاء أفراحهم، واختار آخرون تنظيمها في أضيق الحدود، وهناك من نظّموا أعراسهم كما يحبّون من دون نقصان، وفي غزّة حين نسمع عدد المواليد تحت الإبادة هناك من يستغربه، وآخرون يطرحون أسئلتهم الاستنكارية حين يسمعون عن جنازة شهيد تمرّ من أمام خيام النازحين، وفي خيمة أخرى قريبة تُزَفُّ عروسٌ إلى عريسها. ننتقد استمرار قصص الحُبّ والزواج وكأنّ على الإبادة أن تشمل كلّ شيء، حتى المعنى الوجودي للحياة.
وهم أنفسنا أن الشهادة في فلسطين مدعاة للفرح والفخر والفوز بالجنّة فحسب
هناك في جنوب قطاع غزّة أيضاً، اشتُهِر أحد المقاهي بكثرة روّاده من الصبايا والشباب، الذين اختاروا أن يواصلوا حياتهم رغم أنهم قد يبادون في أيّ لحظة، يرتادونه بكامل أناقتهم وكأنّهم في مكانٍ لا حربَ فيه ولا ذلَّ ولا تجويع، ويقال إن صاحب المقهى جنى الملايين في الحرب، سيّما مع عدم وجود مقاهٍ أو مطاعم إلّا ما ندر. يُحارب الاحتلال الإسرائيلي الفرح الفلسطيني بتفاصيله كلّها وأشكاله، ويغتاظ ويُجنّ حين يرى أننا ما زلنا نتنفّس ونحاول أن نعيش، بل ونفرح، لذا جاء ذلك العنوان يحمل سؤالاً استنكارياً: هل الفرح مسموح؟... وبمعنى آخر: هل ما زلنا بشراً نمتلك الأحاسيس ونستطيع أن نفرح رغم كلّ ما حلّ بنا؟
تحتاج القدرة على الفرح ضمن هذه الظروف بطولة وقوة، أمّا البكاء والحزن والإحباط فهو نتيجة طبيعية للواقع الذي نعيشه، لكنّ القوي هو الذي لا يستستلم ويستمرّ في حياته ويفرح عندما تسنح له الفرصة، مع اعترافٍ بأن المبالغة في كلّ شيء لها وقع سيّئ دوماً، وأن وسائل "الشرّ" الاجتماعي تفاقم السوء سوءاً، وتزيد من الفُرقة ضمن هذه المساحة المفتوحة.
ويكمن السؤال الذي يُطرح أخيراً محلياً ودولياً: هل يستحقّ الفلسطينيون دعمنا وهم لا يأبهون لبعضهم ولا لحرب الإبادة؟... الدعم والتأييد لا يحتاجان إلى مشورة أو تساؤل، ولا ينبغي أن يُعلّقا على قصص وأقاويل ومبالغات.
لنكن أنصاراً للفرح والأمل الذي يشحذ هممنا في مواصلة النضال، أمّا الغرق في الحزن فإنه يقتلنا من الداخل، في الأفق دوماً لقطات فرح مقبلة قد تثير موجات غضب أخرى، لكنّها تذكّرنا بأننا مازلنا أحياء.. أحياء.. أحياء.