حين نظن أننا الأبطال
(ريم يسوف)
يحلم المرء بأن يكون بطلاً في حكايةٍ ما. أن يظهر في السرد وجهاً ناصعاً، يتحرّك بضميرٍ مطمئن، ويخرج من كل فوضى وقد ازداد نقاءً. لكن الحقيقة التي يتجنّب كثيرون الاعتراف بها أننا جميعاً، في مكانٍ ما، وفي رواية أحدهم، قد نكون الأشرار الذين شوّهوا المشهد من دون قصد، أو الذين تركوا جرحاً في صفحة أحدهم، بينما كنّا نعتقد أننا نمنح الدواء.
ثمّة جملة قرأتها يوماً، لا أتذكّر قائلها، لكنها سكنتني بعمق: "في رواية أحدهم، أنت البطل الشرير في القصة". كم تبدو هذه العبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها قادرة على قلب توازن المرء الداخلي رأساً على عقب، لأنها تجرّده من امتياز الرؤية الواحدة التي اعتادها. نحن نروي حكاياتنا دائماً من زاوية الضوء التي نقف فيها، وننسى أن شخصاً آخر يقف في الظلّ ذاته، ينظر نحونا بالاتهام نفسه الذي نحمله له.
حين يتأمل المرء هذا الاحتمال بصدق، يدرك كم أن الحكايات ليست إلا مساحات رمادية واسعة تتنازعها وجهات النظر. كل فعلٍ بطولي قد يُرى من الجهة الأخرى خيانةً، وكل قرارٍ نبيلٍ قد يترك في قلبٍ بعيد أثراً يشبه الطعنة. نحن لا نملك أن نتحكّم في الطريقة التي يُعاد بها سردنا، لأن الذاكرة البشرية لا تنقل الحقيقة، بل تروي ما اختار الألم أن يتذكّره.
كم مرّةً شعر أحدنا أنه أنقذ موقفاً ما، بينما الآخر كان يراه انهياراً؟ كم مرّةً ظنّ أنه نطق بالحكمة، بينما سمعها الآخر كإهانة متعمّدة؟ نحن نحمل نيّاتنا دروعاً، ونظنها كافيةً لحمايتنا من سوء الظنّ، لكن الدروع لا تمنع السهام التي تُرمى من خلف القلوب المجروحة.
أكثر ما يدهشني في العلاقات البشرية هشاشتها الشديدة أمام سوء الفهم، وكأن اللغة، على جمالها، كائن خائن يتبدّل معناها بين فمٍ وآخر. الكلمة الواحدة يمكن أن تكون حبّاً هنا، وازدراءً هناك. الابتسامة نفسها يمكن أن تُفهم بادرةَ ودٍّ أو إعلانَ استهزاء. نحن نسير في هذه الحياة مثقلين بتأويلات الآخرين لنا، وهم يسيرون مثقلين بتأويلاتنا لهم، وكل طرف يظنّ أنه يملك النصّ الأصلي، بينما يقرأ النسخة المترجمة من ذاته.
ليس هناك شرّ خالص ولا خير نقي. حتى الذين نكتب عنهم أبطالاً، تركوا خلفهم من رآهم عقوبة. التاريخ نفسه ليس أكثر من مجموعة سير ذاتية كُتبت بأقلام المنتصرين، لو تبدّلت الأقلام لتبدّلت صفات البطولة والخيبة. وربّما لو استطاع كل واحدٍ منّا أن يقرأ فصول حياته من وجهة نظر مَن آذاهم من دون قصد، لاكتشف أنه كان سبباً في حزنٍ لم يره، وأن خطواته التي بدت مستقيمة كانت تدهس قلباً صغيراً من دون أن يدري.
يحدث أن نتذكّر شخصاً ما بحنين، بينما يذكّرنا الآخر بالأسى نفسه. نعيش الطفولة ونحن نعتقد أننا ضحايا قسوة الكبار، ثم نكبر لنكتشف أننا مارسنا القسوة نفسها على من بعدنا. تدور الحكاية، ولا أحد يبقى في جهة الضوء طويلاً. فحين يتّسع الوعي قليلاً، يدرك المرء أن البطولة ليست في أن يكون أبيض تماماً، بل في أن يعترف بمساحاته الرمادية، وأن يتعامل مع الآخرين بقدر من التواضع الإنساني، لأنه ببساطة لا يعرف كيف سيبدو في رواياتهم.
كثيرون يظنون أن الشرّ يبدأ من النيّة، لكنه في الغالب يبدأ من الجهل. من غفلةٍ بسيطة، من كلمة عابرة، من قرارٍ صائب في مكانٍ خاطئ. والشرّ الذي يُرتكب من غير قصد هو أكثر ما يؤلم حين يُكتشف متأخّراً. أن تدرك بعد أعوام أنك كنت سبب دمعةٍ لم تكن تعرفها، تلك هي المأساة الحقيقية التي لا يُكتب عنها في النهايات المضيئة للروايات.
ربّما لا يمكننا أن نتحكّم في أدوارنا في روايات الآخرين. ولكن يمكننا أن نمارس شيئاً من الحذر الإنساني في السرد اليومي الذي نكتبه مع من حولنا. أن نُبطئ قليلاً قبل أن نحكم، أن نترك مسافة بين الظن والاتهام، وأن نتذكّر أن الحكايات تُروى دائماً على أكثر من وجه، وأننا لسنا بالضرورة أبطالها مهما ظننا.
نعم، قد نكون في حكاياتنا نحن الأبطال الذين تجاوزوا كل شيء. وفي حكايات الآخرين، نحن العثرة، الجرح، الخطأ الذي علّمهم. وبين هاتين الروايتين يعيش المرء بوجهين لا يتطابقان إلا حين يعترف بأنه ليس بريئاً دائماً، وأن الخير الذي فيه لا يُلغي الشرّ الذي يُمكن أن يتسلل منه.
لا بأس أن يكون المرء "الشرّير" في رواية أحدهم، ما دام مستعدّاً لأن يكون أكثر صدقاً في فصول روايته المقبلة. فالوعي بالذنب هو الخطوة الأولى نحو تطهيره، والاعتراف بأننا نُؤذي بقدر ما نُحبّ هو بداية العدالة بين الذات والآخر. وربّما، في نهاية المطاف، سيأتي من يروي الحكاية من جديد، فيجد فينا جميعاً شيئاً من البطولة، وشيئاً من الندم، وشيئاً من الحقيقة التي لا تنتمي إلى أحدٍ سوانا.