حين تكشف أعطاب الصحافة أزمة السلطة في المغرب

26 نوفمبر 2025
+ الخط -

منذ أسبوع، والمشهد الإعلامي والسياسي في المغرب يعيش على إيقاع صدمة قوية، عقب انتشار تسريب مقاطع فيديو أظهر جزءاً من مداولات "لجنة أخلاقيات" المهنة في المجلس الوطني للصحافة، كان يفترض أن يبقى سرّياً داخل غرفة مغلقة ومحصّنة. غير أن ما خرج إلى العلن لم يكن مجرّد نقاش مهني، بل كان خطاباً بذيئاً، وسلوكيات مهينة، وانحرافات خطيرة عن أبسط قواعد المسؤولية، جعلت من هذه "الفضيحة" قضية رأي عام تتجاوز حدود الصحافة إلى قلب السياسة، وإلى السؤال الأكبر: كيف وصلنا إلى هنا؟

بالصوت والصورة، نقلت لنا التسجيلات المسرّبة سلسلة من الاختلالات الخطيرة التي شابت المسطرة التأديبية المتخذة ضد صحافي مستقل، ليس فقط على مستوى العبارات السوقية التي استُعملت ضده وضد دفاعه، بل على مستوى احترام مبادئ دستورية أساسية كقرينة البراءة، وحق الدفاع، والشرعية التأديبية، واستقلالية الجهة المختصّة، وضمان المحاكمة العادلة. فما كان يفترض أن يكون نقاشاً مهنياً بشأن عبارة وردت في أحد تصريحات الصحافي، تحوّل إلى محاكمة جاهزة مسبقاً، وقرارات متخذة سلفاً، وانتقاما مُبيّتاً، وتوجيهات تصدر من أشخاص خارج اللجنة، وحرمان للمتهم من حضور دفاعه، وتسجيل سرّي للجلسة من دون علمه، وتداخل فاضح بين من يفترض أن يمثلوا جهة الاستئناف ومن يحكمون في الدرجة الأولى. وما جعل الصدمة أعمق أن ما ظهر لم يكن مجرّد تجاوزات معزولة، بل انحرافات بنيوية في مؤسّسة يفترض أن تكون نموذجاً للنزاهة. وللمرّة الأولى، يرى الرأي العام المغربي، بالصوت والصورة، كيف يمكن لهيئةٍ يفترض أنها أخلاقية تتحوّل إلى محكمة انتقام، وكيف يُتخذ القرار قبل النقاش، وكيف يُنظر إلى مشتبه فيه خصماً يجب تأديبه، لا مواطناً له حقوق.

لقد كشفت هذه الواقعة فشل النموذج المغربي للتنظيم الذاتي للصحافة الذي تحوّل إلى واجهة بيروقراطية بلا جوهر، أداة للضبط بدل أن يكون آلية للوساطة وحماية الحقوق وترتيب المسؤوليات، جهازاً يفتقر إلى الاستقلالية، ما جعله يفقد دوره الأصلي، ويستحيل أداة ردعية تُستعمل لمعاقبة الصحافيين المستقلين. وسرعان ما اتّسعت دائرة الغضب، فاستنكرت هيئات صحافية وحقوقية وسياسية ما جرى، قبل أن تصل القضية إلى البرلمان، حيث وُجهت أسئلة إلى وزير الاتصال تطالبه بتفسير هذه الانحرافات التي جعلت من جلسة تأديبية قضية سياسية كبرى لامست جوهر أزمة أعمق، أزمة الثقة في المؤسّسات، وفي طريقة اشتغالها، وفي قدرتها على حماية الحقوق والحريات. فلماذا أخذت القضية كل هذه الأبعاد؟ ولماذا تحوّلت فجأة إلى مرآة يرى فيها المغاربة أنفسهم وأعطاب مؤسساتهم؟

انحرافات بنيوية في مؤسّسة يفترض أن تكون نموذجاً للنزاهة

الجواب الأول، أن ما كشفته التسريبات لم يأتِ من فراغ، وليس حادثة معزولة، بل حلقة مستمرّة في سلسلة طويلة من التضييق على الصحافة المستقلة منذ بداية الألفية، تمثلت باعتقالات ومحاكمات قاسية، وإجبار على النفي الاختياري لعدة صحافيين، وغرامات خيالية أغلقت مؤسّسات إعلامية، وتجفيف لمنابع التمويل عبر حجب الإعلانات، ما أدّى إلى خنق صحف وقتلها، بالإضافة إلى حملات تشهير يومية تنهك حياة (وأعراض) الصحافيين المستقلين والسياسيين المعارضين تشنها صحف ومواقع مقرّبة من السلطة، والنتيجة تجريف ممنهج للحقلين، الإعلامي والسياسي، وإفراغ للساحة من الأصوات المستقلة والمهنية، ما أفسح المجال أمام ازدهار صحافة صفراء موالية بالكامل لمراكز النفوذ. وبالتالي، ما ظهر في التسريب من رعونة وانحطاط وقلة احترام، وغياب تام لروح المسؤولية، ليس سوى نتيجة طبيعية لهذا التجريف الممنهج والإرادي.

ويرتبط الجواب الثاني بأن المقاطع المسرّبة قدمت للمغاربة لأول مرة صورة واقعية حية بالصوت والصورة عن كيفية اتخاذ القرارات داخل الغرف المعزولة. فقد رأوا بأم أعينهم سيناريوهات كان كثيرون يقرأون عنها في روايات جورج أورويل وصنع الله إبراهيم وفرانز كافكا، شاهدوها تتجسّد أمامهم من شخصيات حقيقية من لحم ودم، تتحدّث بعبارات سوقية بذيئة وهي تقرر مصير صحافي لمجرّد أنه يخالفها الرأي. كثيرون رأوا في تلك الغرفة نموذجاً لغرف أخرى مفترضة داخل مؤسّسات مختلفة في الدولة تُتخذ فيها قرارات حسّاسة تؤثر بحياة الناس ومستقبلهم ومصائرهم بعيداً عن ضوء الكاميرات، في انسجام تام مع سلطة مركزية تتوسّع على حساب ما تبقى من الحياة السياسية والإعلامية. ... لم تكشف هذه الحادثة فقط عن أزمة داخل لجنة أخلاقيات، بل فتحت نافذة على أزمة أعمق بكثير تمتد إلى طبيعة السلطة نفسها، وإلى طريقة اشتغال آلياتها وكيفية اتخاذ قراراتها لضبط المجتمع والتحكم فيه.

الدول لا يمكن أن تُدار من داخل الغرف المعزولة، لأن الحقيقة، مهما حاول بعضهم طمسها، تجد دائماً طريقها إلى النور

ما خرج إلى العلن لم يكن مفاجئاً لمن يتابع المشهد من قرب، فمنذ نجاح الثورات المضادّة التي أفشلت "الربيع الديمقراطي"، والمغرب يشهد تراجعاً متدرجاً في مساحة الحرّيات العامة، وتوغلاً متزايداً للأجهزة الأمنية في الإعلام والسياسة والحياة العامة، وتدجيناً مستمرّاً لمؤسّسات منتخبة تآكلت فعاليتها، وتراجعاً لاستقلال القضاء، واختزالاً كبيراً لأدوار النقابات، وتدجيناً لهيئات المجتمع المدني، حتى أصبحت الحياة السياسية والنقابية والإعلامية والمدنية عموماً في حالة موت سريري. ولأن النموذج كان هشّاً منذ البداية، فإن أي صدمة صغيرة كانت كفيلة بزعزعته، وقد جاءت الصدمة من واقعةٍ صغيرة، لكنها كشفت هشاشة البنية بأكملها.

بعد أن سلطت هذه الواقعة الضوء على ما يجري داخل غرف القرارات الملتبسة، لم يعد السؤال مرتبطاً بموضوع تلك الجلسة في حد ذاتها، بل بما يمكن أن يكون لها من انعكاسٍ على مستوى ثقة المواطن المغربي في المؤسّسات التي يفترض أنها تمثله وتحميه. الأمر الذي يضع الدولة أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على إنقاذ صورة مؤسّساتها واستعادة مصداقيتها قبل أن ينهار الهيكل على رؤوس الجميع، إذا لم تجر مراجعة جذرية توقف سياسة التجريف، وتعيد الاعتبار للصحافة الحرّة باعتبارها شرطاً لأي مجتمع حي، وللحياة السياسية الحقيقية باعتبارها أساساً لأي ديمقراطية ممكنة. لقد علمتنا هذه القضية أن الدول لا يمكن أن تُدار من داخل الغرف المعزولة، لأن الحقيقة، مهما حاول بعضهم طمسها، تجد دائماً طريقها إلى النور. والسؤال الآن ليس ماذا وقع وكيف وقع، بل لماذا وصلنا في المغرب إلى هذا المستوى؟

D6ADA755-48E0-4859-B360-83AB4BBB3FDC
علي أنوزلا

صحافي وكاتب مغربي، مدير ورئيس تحرير موقع "لكم. كوم"، أسس وأدار تحرير عدة صحف مغربية، وحاصل على جائزة (قادة من أجل الديمقراطية) لعام 2014، والتي تمنحها منظمة (مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط POMED).