حين تتحدّث الضحية

حين تتحدّث الضحية

14 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

نشأ جيلنا على مذكرات المعتقلين السياسيين في سجون الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وذلك خلال سني الستينات والسبعينات. كذلك سمعنا عن مآسي السجون والمعتقلات في العراق تحت حكم صدام حسين خلال الثمانينات والتسعينات. ثم أفقنا على مجزرة سجن أبو سليم التي ارتكبها العقيد معمر القذافي منتصف عقد التسعينات، وراح ضحيتها ما لا يقل عن 1200 ضحية. وعشنا على مدار العقد الماضي، ولا نزال، مع أهوال سجون بشار الأسد سواء سجن تدمر أو سجن صيدنايا.

أما الآن فنحن نعيش مأساة حقيقية، ضحيتها عشرات آلاف من الشباب والشابات العرب الذين يقضون أفضل سنوات عمرهم خلف القضبان، خلال مرحلة هي من أسوأ مراحل الخزي والعار في التاريخ العربي الحديث. في مصر وحدها، يقبع آلاف الشباب خلف أسوار ما يقرب من 65 سجناً، تم تشييد أكثر من نصفها منذ انقلاب عبد الفتاح السيسي في 3 يوليو/ تموز 2013، وذلك كي تستوعب آلاف المعتقلين، خصوصا من شباب جماعة الإخوان المسلمين الذي يقضون زهرة شبابهم في السجون، ليس لشيء سوى لتعبيرهم عن رفضهم نظام السيسي. وقد باتت أسماء السجون، من كثرة تردّدها في الفضاء العام، أكثر شهرةً من أسماء المدن المصرية، فسجون مثل "مزرعة طره" و"العقرب" و"العازولي" و"وادي النطرون" و"المرج" و"برج العرب" باتت معروفة لدى العامة والخاصة، بسبب آلاف القضايا والأحكام التي صدرت بشأن معتقليها.

بيد أن أكثر ما يؤلم النفس أن تتعرّف عما يحدث خلف أسوار هذه السجون من مآس وجرائم، وأن تستمع لها من أصحابها وضحاياها أنفسهم، فعلى مدار الأيام الماضية، استمعت لقصص مروّعة حكاها شباب مصريون تم اعتقالهم منذ انقلاب السيسي، وقضوا سنواتٍ تحت التعذيب النفسي والجسدي. كان ذلك عبر لقاءاتٍ نظمها مجموعة من شباب المعتقلين السابقين على منصة "كلوب هاوس"، تحدّثوا فيها عن تجاربهم وخبراتهم الشخصية، منذ لحظة القبض عليهم حتى خروجهم من المعتقل، سواء بأحكام براءة أو على ذمة قضايا، لا يزال بعضها جارياً، ولكنهم تمكنوا من مغادرة البلاد.

حين تستمع إلى حكايات المعتقلين تشعر كأنك تشاهد فيلماً من أفلام الرعب أو الكوميديا السوداء التي تأخذك إلى عالم آخر

لا تتجاوز أعمار معظم هؤلاء الشباب الخامسة والعشرين عاما، وبعضهم تم اعتقاله وهو صبي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وقضى فتراتٍ متراوحة في السجن ما بين عام وسبعة أعوام حتى تم البتّ في قضاياهم. حكى بعضهم عن المعاناة النفسية والجسدية داخل السجن، وتعرّضهم للضرب والإهانة والإذلال من أجل كسرهم، والانتقام منهم بسبب خلفياتهم السياسية والفكرية، وكيف حاولوا التكيّف مع الحياة السجنيْة، سواء في ما يتعلق بالنوم أو الأكل أو الذهاب إلى دورة المياه.

تستمع لحكاياتهم وهم يروونها بألسنتهم، وليست نقلاً عنهم، فيصيبُك الصمت من هول ما تسمع، وتسرح بخيالك بعيداً، وتشعر كأنك تشاهد فيلماً من أفلام الرعب أو الكوميديا السوداء التي تأخذك إلى عالم آخر. في الوقت نفسه، لا يمكنك أن تهرب من مقارنة ما تسمعه من هؤلاء الشباب، وما كنت تأمل أن تسمعه منهم لو لم يتم اعتقالهم. فبدلاً من أن تستمع لحكاياتٍ مؤلمةٍ عن السجن والتعذيب والترهيب والإذلال، كنت ستستمع لخطط هؤلاء الشباب عن المستقبل سواء ما يخص الدراسة أو العمل أو السفر. شباب وشابات في عمر يافع يتحدّثون عن حرمان من النوم والأكل والزيارات ورؤية الأهل، وكأنهم في صراع صفري مع عدو خارجي، يحاول التخلص منهم، ويعمل على قتل أحلامهم قبل إنهاك أجسامهم.

آلاف الشباب في 65 سجناً في مصر تم تشييد أكثر من نصفها منذ انقلاب السيسي

تستمع لهؤلاء الشباب، بينما تحاول أن تحبس دموعاً تكاد أن تسقط، ليس فقط تعاطفاً وتضامناً مع أوجاعهم وذكرياتهم المؤلمة، ولكن حزناً وقهراً على بلدٍ قاسٍ، ونظام سادي، يقوم بعملية تدمير منظمة وممنهجة لأفضل أبنائه، ليس لشيء سوى من أجل التمكّن من السلطة والبقاء فيها مهما كان الثمن.

تحدّث الشباب عن تجاربهم في المعتقل، وفي حديثهم شفاءٌ لهم ولأوجاعهم، ولو قليلا، بينما يعتصر القلب ألمٌ على ما أصابهم من دون ذنب سوى وقوفهم في وجه آلة القمع والاستبداد. بعضهم لا يزال يعاني من نوبات الذعر والخوف، واضطرابات النوم والتفكير، فالسجن ومآسيه وتجربته لا تبارحهم، في نومهم وصحوهم، يحاولون التغلب عليها تارّة بالهروب، وأخرى بالضحك عليها، وعلى مفارقات الحياة داخل المعتقل. وبينما يفعلون ذلك، فإن جزءا منهم قد انكسر، ولن ينصلح إلا بعدالةٍ ناجزة تُنصفهم وتقتصّ من جلاّدهم مهما طال الزمن.