حين أهديتُ نفسي باقة ورد

حين أهديتُ نفسي باقة ورد

29 يناير 2022

(لؤي كيالي)

+ الخط -

بالأمس، أهديت نفسي باقة ورود بيضاء جميلة ذات رائحة عطرة. ليس الأمر أنني فعلت ذلك بطريقة عادية، أن أشتري باقة زهر من متجرٍ ما، ثم أحملها معي إلى البيت، بل قصدت متجر الأزهار واخترت نوعا معيّنا، واخترت نوع نبات أخضر للتشكيل، واخترت نوع الورق الذي سيغلّفها، ثم أعطيت البائع عنوان بيتي واسمي، وطلبت منه أن يكتب على البطاقة المرافقة التالي: "إليّ .. أنا رشا عمران، احتفاءً بما ستأتي به لي الأيام القادمة". نظر إلي البائع الذي يعرفني سابقا، بدهشةٍ وصدمةٍ واضحتين، لم يستطع إخفاءهما، ثم ابتسم ابتسامة سخرية خافتة، كما لو أنه يقول: "ما بها هذه السيدة، كأن عقلها أصيب بلوثة ما؟ ربنا يلطف بعباده". لكنه التزم بما طلبت، وأرسل إلي باقة الورد مغلفة بشكل أنيق، وعليها بطاقة بيضاء مكتوب عليها العبارة التي تركتها له كما هي.

أعيش وحدي في القاهرة منذ عشر سنوات. تمر كل المناسبات العامة والشخصية علي من دون أن يشاركني أحدٌ صباحاتها، ولصباح المناسبات مذاق آخر، كأن تتشاركين أنت وآخر أو آخرين (عائلة أو أبناء أو صديقة أو صديق يقيمون معك) التهنئة حين النهوض من النوم صباحا، أو أن تتشاركي مع أحدهم فنجان القهوة وخطط هذا اليوم: ماذا سنطبخ وماذا سنفعل وأين سنقضي هذه المناسبة ومن سيكون حاضرا وهكذا، أو أن يفاجئك أحد منهم بهديةٍ صباحيةٍ إن كانت المناسبة خاصّة بك، باقة ورد أبيض ذي رائحة عطرة، أعيش وحدي تماما ولم يصدُف أن حدث هذا معي خلال السنوات العشر الماضية، لم يصدُف أيضا أن كان أحد معي حين أُصاب بأزماتٍ نفسيةٍ كبيرة. لا أجد من يحضنني ليخفّف عني، لا أجد من يهوّن علي الأمر بالسخرية مني، لا أحد يعطيني نصائح لأخرج مما أنا فيه، لا أحد يحضر لي باقة ورد أبيض برائحة عطرة نوعا من الدعم المعنوي!

ستعتبرون الأمر سخيفا، أو ربما ترفا لا يليق بي ذكرُه، بينما يحلم ملايين السوريين ببعض الدفء فقط أو بعض الخبز، فأنا على الأقل أعيش في بيتٍ محميّ، وفيه وسائل للتدفئة وللحياة الكريمة. ولدي في ثلاجتي خبزٌ لا آكله كي لا أتسبّب بزياداتٍ مضافةٍ إلى وزني. ربما أنتم محقّون، هذا محض افتراء على ما أنا فيه، محض نكرانٍ للنعمة التي أعيش فيها قياسا بغيري من السوريين، كما لو كنت لا أملك ذرّة امتنان لما أعطتني الحياة إياه ولم تعطه لغيري، هذه أنانيةٌ كاملةٌ أظنكم ترون ذلك معي. .. أليس صحيحا؟

غير أننا، وبحسب المحلل النفسي الفرنسي، سيرج تيسيرون، "لا يمكن لتعاطفنا مع الآخرين أن يكون مجديا إن لم نستطع الإفصاح عما نعانيه علنا، حتى لو كان سيبدو سخيفا أمام معاناة الآخرين". يعتقد أن من يظهرون القوة والمثالية في حياتهم الشخصية هم أكثر المتعاطفين تلاعبا واستغلالا لمشكلات الآخرين ومعاناتهم. هل ما يراه تيسيرون يجعلني محقّة حينما أكتب عن همومي الصغيرة ومشكلاتي (التافهة)، أنا التي أنتمي لوطنٍ غارقٍ كله في البؤس؟ في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بما يقوله هو فقط، ذلك أنني لست من النوع الذي يطبق نظريات الآخرين في حياته العملية، بل أنا من الذين يبحثون عن تفسيراتٍ لسلوكهم عبر كتابات المختصين ونظرياتهم، إذ لطالما كنت أعتقد أن مكابداتنا، مهما كانت شخصية، فهي ليست سوى جزء من مكابدات جمعية مشابهة إلى حد كبير أو قليل. قد تختلف مكابداتي بتفاصيل معينة، لكنني حتما أتشارك إطارها العام مع عدد لا يستهان به من النساء اللواتي لهن ظروف مشابهة لظرفي الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.

أشعر بالوحدة، وبضغط التقدّم في السن، وبالخوف من القادم المجهول، ولدي كثير من خيبات الأمل، ومن "الفشولات" العاطفية والنفسية والمهنية. وليس لدي من يعيدني إلى أن أتوازن مجدّدا كلما بدأت أسقط في هوة الاكتئاب سوى نفسي. قضت سنتان من عزلة الفيروس اللعين على ألفة التواصل الجسدي بين الأصدقاء والمقرّبين، لصالح التواصل الافتراضي، حتى لأصدقاء المنطقة الواحدة، حيث لا شيء سوى شاشة تعكس صورة بلا رائحة، أو حيث الصوت أيضا بلا رائحة، بينما نحتاج أحيانا لحضن حقيقي، للإحساس بدفء أجساد الآخرين ودفء أنفاسهم، كي نشعر بأننا لسنا وحيدين. علي إذا أن أشعر بدفء نفسي، أن أخترع ما يقيني من الانهيار، أن أستعيد محبّتي ذاتي كلما فقدت الثقة بها، هل من شيءٍ أكثر جمالا من أن أهدي لنفسي باقة ورد أبيض؟!