حوانيت ثقافية بالتقسيط
(بول كلي)
"لا تكون الحياة إنسانيةً بشكل حقيقي إلا عبر مجابهة الطبيعة بالعقل، ومن خلال تجاوزها إلى ثقافة"، حسب المفكر الإسباني خوسي أورتيغا. ويُمكن وضع كلّ شيء في الحياة في خانة الثقافة، من المعرفة الخالصة مثل العلوم التي تبني حياة البشر، إلى الفنون التي تُغنيها، إلى المهارات التي تنقذها. لكن غرام الإنسان بالتفريع والتخصّص والمسمّيات أدّى إلى خلق هوّة بين الثقافة كما هي الآن وباقي مناحي الحياة، وكسَر الجرّة إلى قطع. لذا النّظر إلى الثقافة كأنّها شيء نُخبوي أمر بعيد من الدّقة. وكل ما يلزم هو البحث عن طريقة لتقديمها بطريقة مختلفة.
لماذا يبدأُ أحدنا بقراءة مادّة ثقافية في موقع أو صحيفة، إذا لم يكن معنيّاً بشكل مباشر، وكل ما يريده جرعة إخبارية أو معرفية قصيرة في الإنترنت؟ بل حتى لو كان مثقّفاً فغالباً لا مزاج له لقراءة ثقافية "نخبوية"، لكنّه سيفعل حين تمسُّه المادّة بشكل ما، وهي جزء من حياته اليومية، خاصةً وسط الدمار الذي تحمله الأخبار اليومية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعضهم ما زال لم يستسلم كليّاً لهوس الفيديوهات القصيرة التي تسبّب الإدمان، وتلتهم وقت المرء في غفلة منه.
رغم ذلك كلّه، ما زال هناك أمل. فعندما ظهرت الفيديوهات و"الستوريات" القصيرة، قيل لنا إن الجمهور ملول، وكلّ ما يمكن له تحمّله هو برامج الخمس دقائق. لكن تجارب "البودكاست" تشير إلى أنّه لا، فالناس تستحمل ساعتَيْن وثلاثاً من الكلام مع شخص واحد جالس بأريحة في أريكة يفضفض فيها مع مذيع لم يُذِع شيئاً في حياته، بل لا يعرف كيف يطرح سؤالاً. وهذا رقم لم يصل إليه التلفزيون في أقصى طموحاته.
يمكن لسؤال: ماذا نريد قوله في صفحة ثقافية لصحيفة يومية؟ أن يكون وجيهاً بقدر أيّ سؤال آخر عن الجدوى. والحقيقة أنّه حين يُطرح على صفحة إعلامية متخصّصة يصبح أقرب إلى الفخّ. فخٌّ بريء ربّما، لكنّه يبقى فخّاً مع ذلك. فالثقافة واسعة في أبعادها، وكثيرون يمكن أن يقولوا إنهم يديرون صفحة ثقافية، ولا أحد سيناقشهم في حقيقة ذلك، لكن الكاتب هو الأسلوب كما قال ميلان كونديرا. والصحافة الثقافية هي الأسلوب كذلك... لذا يصبح السؤال هو: كيف نقدّم الثقافة؟ وإلى أيّ قارئ نتوجّه؟
يمكن لأيّ كان أن يفتح محلّاً ثقافيّاً، جمعيةً أو موقعاً، محاولاً تقديم وصفة ما للثقافة. وقبل الصحف، قاوم التلفزيون المحتوى الثقافي وكاد ينمحي من برامجها. فالبرامج التلفزيونية الثقافية ليس لها جمهور كما يُشاع، لكن في ثقافات أخرى تواصل برامج ثقافية العمل وهي القادمة من الزمن القديم، مثل برنامج المكتبة الكُبرى، الذي يجمع في كل حلقة مجموعة مثقّفين يحكون عن قضايا وكتب، لا عن لحظة اكتشاف الكتابة أو مسار فردي معزول في الكتابة، في مجتمعات استهلاكية.
ينسجمون بينهم لخلق اندماج في الجلسة، لكن الأكثر أهميةً هو التنافس الخفي حول قول شيء مهم، ولو في جملة واحدة، فأحيانًا هي كل ما تملك وأحياناً هي كل يلزم.
مثقّفون متحرّرون من الخوف والرقابة الاجتماعية، ومن رقابة الأنداد. لهم جرأة محاربة الكسل الثقافي، وهو أكبر عدو للكاتب وأخطر، حين يركن إلى ما قرأه في غضاضته الأولى وما يمرّ عليه في "فيسبوك". إذاً ما السّر؟ لماذا تنجح الثقافة إعلاميّاً في أمكنة وتنحدر في أخرى؟
السّر في الأسلوب، يمكن جذب الجمهور، إذا أجدتَ الإصغاء إلى ما يهمّه وقدّمته له، وهناك فرق بين أن تقدّم منتجاً إعلاميّاً ضيّق الأفق، وبين أن تتناول قضايا آنية وشائكة.
وفي الصّحافة المكتوبة، يجمع التحقيق الصحافي بين الكسلين الثقافي والصحافي، فيطرح سؤالاً على مجموعة كُتّاب، وهو ما يبدو مبدئيّاً شيئاً معقولاً، لكن تنفيذه يقتله. لأن اختيار مُعدِّ التحقيق شبه عشوائي لمن يُطرح عليه الأسئلة. وتأتي الأجوبة ردّ عتب، في تعبير إنشائي أو متكلّس فقير الرؤية. وتحفر الثقافة النخبوية خندقاً أعمق بينها وبين القارئ، فيمحو الثقافة من حياته لتعاليها عليه. لا يمكن التنبّؤ بما قد يجذب الناس، لكن يمكن الإصغاء والبحث، وتفادي تبسيط الثقافة وتسطيحها بمواضيع الصحافة الصفراء.