حوار فلسطيني مجتزأ وسلبي في القاهرة

25 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

لم تكن جولة الحوار الفلسطيني أخيرا في القاهرة عادية، جاءت حافلة بالدلالات والمضامين، والأكثر أهمية ربما أنها رسمت معالم المرحلة المقبلة بوضوح، وعلى عكس ما يعتقد أو لا يريد أن يصدق كثيرون. وثمة ملاحظتان منهجيتان على الحوار تضيئان على دلالاته: الأولى، أن الحوار عقد برعاية مصرية كاملة، وبإشراف مباشر من المخابرات العامة، وفي مقرّها الرئيسي في القاهرة، ما مثل تراجعا كبيرا وخطوة فلسطينية إلى الوراء، بعد حوار الأمناء العامين للفصائل بين رام الله وبيروت، وحوارات ثنائية مباشرة ومتنقلة بين حركتي فتح وحماس في بيروت، والدوحة وإسطنبول، ومواقف علنية تتحدث عن طي صفحة الرعاية والوساطة بين الفلسطينيين، بل إن حركة فتح طرحت فعلاً في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي فكرة استضافة الحوار الفلسطيني في مقر السفارة الفلسطينية في القاهرة، كما حدث في إسطنبول في سبتمبر/ أيلول، حيث عقد حوار "فتح" و"حماس" في مقر القنصلية الفلسطينية فيها. تتعلق الملاحظة المنهجية الثانية بالمتحاورين، حيث شارك 14 فصيلا فلسطينيا، بما فيها تنظيمات لا تملك أي حضور شعبي وجماهيري، وعندما شاركت في آخر انتخابات تشريعية – 2006 - لم تتجاوز نسبة الحسم، بل لم تحصل حتى على 1% من أصوات الناخبين. وبالتأكيد لا تملك الشرعية والحيثية الديمقراطية والسياسية للحسم في القضايا والتحدّيات التي يواجهها الشعب الفلسطيني. وتمثلت المصيبة بمشاركة الجبهة الشعبية القيادة العامة وتنظيم الصاعقة - الجناح الفلسطيني لحزب بعث نظام آل الأسد، علماً أنهما تفاخرا دوماً بأنهما جزء من النظام سيئ الصيت، وبالتالي فهما متهمان بارتكاب جرائم حرب إلى جانبه، ومشاركته قمع الشعب السوري وثورته العادلة التي طالبت بالحرية والكرامة والديمقراطية. ومنهجياً أيضاً، يمكن التساؤل عن كيفية مناقشة إجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة ونزيهة بحضور أذرع مباشرة لنظام استبدادي لا يقيم للديمقراطية وزناً ولا شأناً.

تراجع حركة حماس مرتبط برغبة قيادتها الحالية في تحصيل مكاسب فئوية لتحسين فرصها في الانتخابات الداخلية

حصل التراجع الفلسطيني بعدما استغل الرئيس محمود عباس افتقاد قيادة حركة حماس الحالية إلى الحنكة والتجربة والقدرات السياسية المطلوبة، ورسم حدود اللعب وقواعده بمراسيم رئاسية، بما فيها المرسوم الانتخابي أخيرا، القاضي بإجراء الانتخابات بالتتابع، لا بالتزامن، وضمن الواقع الحالي، في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يده هي الطولى إدارياً ومالياً، ولم يمانع في تقديم هدية للنظام المصري عبر رعاية الحوار، لا الاستضافة فقط وفق القواعد والمحدّدات التي فرضها أصلاً بسلطاته الاستبدادية الأحادية، خصوصا أن نظام عبد الفتاح السيسي عاد، بعد رحيل إدارة دونالد ترامب، إلى اللغة التقليدية تجاه القضية الفلسطينية، المتضمنة حلّ الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية، في سياق تحضير أوراقه للتساوق مع السياسات الجديدة لإدارة جو بايدن، حيث دعا، في يوم الحوار نفسه، إلى اجتماع طارئ للمجلس الوزاري العربي في جامعة الدول العربية لدعم القضية الفلسطينية، بعدما رفض وماطل في عقد اجتماع مماثل بناء على طلب السلطة بعد الإعلان عن التطبيع - التحالف بين الإمارات وإسرائيل، منتصف أغسطس/ آب الماضي، وعندما تم عقد اجتماع عادي في منتصف سبتمبر/ أيلول لمناقشة الطلب، ورفض النظام وحلفاؤه المطبّعون تبني قرار فلسطيني يدعو إلى إدانة التطبيع والتمسك بالمبادرة العربية حدّا أدنى تجاه القضية الفلسطينية.

أما تراجع حركة حماس فمرتبط برغبة قيادتها الحالية في تحصيل مكاسب فئوية لتحسين فرصها في الانتخابات الداخلية، مع وعود أن تستمر سيطرتها السلطوية في غزة، تحت إشراف محمود عباس وسطوته على المدى المنظور. كما أنها حصلت على ثمن أو مقابل مصري، تمثل بفتح معبر رفح، وبالتالي تخفيف معاناة الناس، كما الضغوط عن سلطة الحكم الذاتي خاصتها، قبل الانتخابات، على الرغم من أن قصة المعبر مرتبطة كذلك بدعم مصري للقيادي الفتحاوى المفصول محمد دحلان وتعويمه، لتحسين فرصه أيضاً في الانتخابات.

وتطرح المعطيات السابقة مجتمعة بالضرورة السؤال المنطقي عن كيفية إجراء الانتخابات بإشراف ورعاية جهاز مخابرات في نظام استبدادي انقلابي، وكيف يمكن الحديث عن النزاهة والتنافس الشريف وضمان احترام النتائج بوجود الجنرال عباس كامل ومعاونيه.

إذا كان محمود عباس ينتمي إلى طبقة الفلول القدامى "يشبه حسني مبارك"، فإن دحلان ينتمي إلى الفلول الجدد "يشبه عبد الفتاح السيسي" بكل غطرسته

أما في التفاصيل، فقد جرى رفض أي نقاش جدّي وعميق بشأن الانتخابات ومرجعياتها السياسية، وفرضت حركتا فتح وحماس الأجندة الإجرائية بتواطؤ تام من المخابرات المصرية ومديرها عباس كامل، أو للدقة، تم تمرير ما اتفقت عليه الحركتان، ولكن ضمن إطار أو ختم وطني فلسطيني جامع. وهذا يذكّر بحوار 2005 الذي أنتج وثيقة مارس/ آذار التي تضمنت ثلاثة بنود: الهدنة مع إسرائيل والانتخابات التشريعية وإعادة بناء منظمة التحرير. ولم يتم تفعيل البند الثالث، وحينها قال أحد الأمناء العامين ساخراً "نلبس ما تحيكه لنا فتح وحماس"، من دون أن يسأل نفسه عن أسباب هذه الدعابة المرّة وخلفياتها وحيثياتها وتداعياتها على المشهد الفلسطيني برمته.

بناء عليه، تم التركيز فقط على الخطوات الإجرائية للانتخابات التشريعية بما في ذلك محكمة الانتخابات والحريات العامة وحقوق الترشح والدعاية وكيفية مشاركة فلسطينيي القدس ترشّحاً وتصويتاً. وجرى كذلك رفض أي نقاش بشأن منظمة التحرير والمجلس الوطني، بل تم إلهاء أو خداع الفصائل بعقد جلسة حوار أخرى في مارس/ آذار المقبل في الملفين بحضور هيئة رئاسة المجلس الوطني الهرمة وغير المنتخبة، واللجنة المركزية للانتخابات التي تقول إنها غير مخوّلة أصلاً النظر أو العمل على انتخابات المجلس الوطني في الخارج. وحتى لو كان الأمر جدّياً، وهو ليس كذلك، فكيف يمكن الاستعداد لإجراء انتخاباتٍ يشارك فيها الملايين في ظرف خمسة شهور، من دون أي خطوات تمهيدية مسبقة.

جرى رفض أي نقاش جدّي بشأن الانتخابات ومرجعياتها السياسية، وفرضت فتح وحماس الأجندة الإجرائية بتواطؤ تام من المخابرات المصرية

أمر مهم آخر ارتبط بالحوار، ويتعلق بقرار فتح معبر رفح الذي ظن كثيرون أنه مرتبط بالحوار وإحراج المخابرات المصرية من خطاب الفصائل المحرجة من خروجها لحوار القاهرة، بينما المعبر مغلق أمام أهل غزة، قبل أن يتضح أنه مرتبط بمحمد دحلان وتياره. وقد جرى رفض أي نقاش في إجراء الانتخابات في واقع الانقسام الحالي، في ظل مخاوف ازدياد احتمال تأبيد الانقسام أو تنظيمه وتأطيره في أحسن الأحوال.

عموماً، أخذ كل طرفٍ ما يريد من الحوار، حيث فرض الرئيس عباس أجندته بإجراء انتخابات متتابعة، وفق الواقع الحالي الذي يتحكّم فيه بشكل شبه كامل. وأمر مماثل يمكن قوله عن قيادة حركة حماس، وهو ما فعله النظام المصري أيضا. أما الفصائل فتم تصدير الوهم لها أو إشعارها بأنها ما زالت حاضرة في المشهد وحسم القضايا الفلسطينية، على الرغم من أنها، كما العادة في العقدين الأخيرين، تلبس ما تحيكه لها حركتا فتح وحماس.

وأسوأ من كل ما سبق استغلال الحوار لتعويم تيار محمد دحلان. وكان لافتاً أن المخابرات المصرية برمجت عودة بعض قياداته إلى غزة في يوم عودة قادة الفصائل المتحاورة نفسه، في شرعنة صارخة لهم ولتيارهم. والأكثر سوءأ تمثل بقبول قيادة "حماس"، لأسبابها الخاصة، بما رفضه محمود عباس وسلطة رام الله، وهي المستجدّة وحديثة العهد بالسياسة، لا ترى ولا تستوعب الآثار والتداعيات الكارثية لتعويم دحلان. وببساطة، إذا كان محمود عباس ينتمي إلى طبقة الفلول القدامى "يشبه حسني مبارك"، فإن دحلان ينتمي إلى الفلول الجدد "يشبه عبد الفتاح السيسي" بكل غطرسته.