حوار سياسي لم ينتهِ

13 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

غبت عن قرّائي فترة ليست قصيرة، لانشغالي بعمل فكري يرى النور قريباً. وتواصل معي من سألوا عن الأسباب، وظن بعضهم أنني منعت من الكتابة، الأمر الذي لم يحدث معي، حتى في أصعب المراحل التي مرت بخليجنا العربي، وهذه ميزة نتمتع بها في دولة قطر، أعني حرية الكلمة البناءة، ولو كانت ناقدة سياسة الدولة.

غبت عن الكتابة في وقتٍ كانت أمتنا العربية والإسلامية تتعرّض لهجمةٍ شرسة، شارك بعض القادة العرب فيها، منها ما يجري في السودان واليمن وليبيا والصومال والعراق، وما يراد بتونس، أم الربيع العربي، فضلاً عما يجري في خليجنا العربي. واليوم أعود إلى قرّائي، وقد انقشعت سحب الظلام عن سماء الخليج، وبدأت بشائر الود تجري في أفلاج الحياة، مع الألفة والمودة، وقلب كل الصفحات الصفراء والحمراء والسوداء من حياتنا الخليجية في العناق المعبر بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد وولي عهد السعودية محمد بن سلمان، في العلا، ملتقى الحضارات (بلاد الرافدين وبلاد الشام وحضارة وادي النيل)، وذلك في قمة العلا في السعودية، والتي جمعت قادة دول في الخليج العربي ومن ينوب عنهم، باشتراك مصر ممثلة بوزير خارجيتها، إلى جانب ضيوف المملكة الذين دُعوا لحضور اللقاء الذي شهد التوقيعات على بيان/ اتفاق العلا. وراحت وسائل الإعلام العربية والدولية تتناول الحدث الكبير بالتحليل، وتتنبأ بمستقبل المنطقة بعد تلك القطيعة بين الأشقاء من أهل الخليج.

(2)

شاركت من الدوحة في عدة حوارات متلفزة مع ضيوف مرموقين من غير جنسية عربية، كان منها مع تلفزيون "فرنسا 24" في برنامج، عنوان النقاش فيه "القمة الخليجية بداية ونهاية الأزمة"، مع الكاتب السعودي سلمان الشريدة من القاهرة، والنائب المصري مصطفى بكري من القاهرة. وافتتح الأخير الحوار بترديد بنود تجاوزها القادة المعنيون بالحوار الخليجي ــ الخليجي، مثل الإسلام السياسي وعلاقة قطر بإيران وتركيا وقناه الجزيرة والإرهاب. وكان تعقيبي أن الإسلاميين لا يخيفوننا، وهم أعضاء في أكثر من برلمان عربي، في الكويت والبحرين والأردن والمغرب. ومفهوم الإسلام السياسي بدعة غربية لا يجب التوقف عندها كثيراً. وقلت لشريكي في الحوار إننا في أجواء مصالحة خليجية ــ خليجية، نعمل على تعزيزها، ونجعل ملفات الماضي خلفنا، ووافقني سلمان الشريدة من الرياض.

انقشعت سحب الظلام عن سماء الخليج، وبدأت بشائر الود تجري في أفلاج الحياة، مع الألفة والمودة

(3)

أصرّ بكري على الخوض في الخلافات الخليجية التي نعمل جميعاً على طي صفحتها، من دون أن ننساها، فتناول بصفته "قومياً عربياً"، كما قال، القاعدة التركية في قطر، وعلاقاتها مع تركيا وإيران والإخوان المسلمين. قلت في ردّي المختصر: أغضبتْك وقضّت مضجعك وغيرك في مصر القاعدة التركية في قطر، ولم تغضبك القاعدة الأميركية، علماً أنه لا توجد دولة خليجية ليس فيها في المتوسط قاعدتان أجنبيتان، أميركية وبريطانية وفرنسية. تركيا دولة إسلامية على الأقل، ولا بد أن تأخذ في الاعتبار الظروف التي استدعت وجود هذه القاعدة. ولكن بكري نسي أو تناسى، "كقومي عربي"، أن حكومة بلادة تحاصر قطاع غزة بالتعاون مع إسرائيل منذ سنوات طويلة، وما برحت تحاصرها من دون سبب جوهري. ونسي أن أصابع مصرية تعبث في ليبيا، ونسي أو تناسى أن وسائل إعلام مصرية، في برامجها الحوارية، نهشت في لحومنا، نحن أهل قطر، وتطاولت على قياداتنا وعلى أعراضنا بقلة أدب. أما برامج قناة الجزيرة التي قضّت مضاجع بعض إخواننا في مصر فلم تهبط إلى مستوى "اللاأخلاق" الذي وصل إليه كثير من الإعلام في مصر. 

علاقة قطر مع إيران ليست أقوى من علاقات بعض دول الخليج العربي معها

قلت في مداخلتي إن علاقة قطر مع إيران ليست أقوى من علاقات بعض دول الخليج العربي معها. في إحدى هذه الدول أكثر من ثمانمائة ألف إيراني، بطريقة مشروعة وغير مشروعة، وليس في قطر هذا العدد الكبير. والتعامل التجاري الإيراني مع قطر أقل بكثير منه مع الإمارات. وعندما حاصرَنا القوم من كل الجهات، كانت النافذة الوحيدة التي فتحت لنا عبر إيران، لكي نصل إلى العالم. وهذا فيما نختلف مع إيران في قضايا قومية، أعلنتها قيادتنا السياسية، نختلف معها في احتلال جزر إماراتية، ونختلف معها في ما يجري في سورية. ونتفق مع أشقائنا في الخليج في القلق من برنامجها النووي، ونرفض تدخلها في شؤون أي دولة عربية، فماذا تريد منا، النائب مصطفى بكري، أن نفعل؟

(4)

عندما يفلس بعض إخواننا المشتغلين بالإعلام في مصر، فلا يجدون مادة ضد قطر، يستدعون العلاقة مع إسرائيل والإخوان المسلمين. والمؤكّد أنهم لا يقرأون إلا ما يكتبه بعض مهرّجي الإعلام. يزعم بكري أن في الدوحة حالياً قنصلية إسرائيلية، وهذا غير حقيقي. كان لإسرائيل مكتب تجاري في الدوحة، موظفوه ثلاثة أشخاص، وليس قنصلية. وقد أغلق المكتب في 27/5/2001، على إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، وطُلب من موظفيه مغادرة قطر خلال أسبوع، وألغي عقد إيجار المكتب. وتجاهل مصطفى بكري العلاقات الحميمية بين إسرائيل والبحرين والإمارات في هذه الأيام، ويردد أكذوبة إعلام مصر المأزوم عن تلك القنصلية المختلقة. أما بشأن الإخوان المسلمين العاملين في قناة الجزيرة، هل يعتبر بكري خديجة بن قنة ومحمد كريشان وغادة عويس، على سبيل المثال، من الإخوان؟

آخر القول: حديث لم ينته، ويحتاج صفحات وصفحات لتفنيد أكاذيب إعلام الدول المأزومة.