حنين إلى الصُّحف الورقية
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
(صفوان ميلاد)
كان لعبد الله (35 عاماً) دكّان صغير في مشارف سوق مطرح لبيع المواد الغذائية، وسط مجموعة من دكاكين لعُمانيين من مختلف الأعمار. تجاوز أحدهم السبعين، ومن ذكرياته أن كان له في الستينيّات معلّم اسمه قاسم، اكتفى بأن يتعلّم منه الحساب، إذ كان الحساب أوّلَ ما يتعلّمه الطلاب يومئذ قبل الانتقال إلى تعلّم الحروف، وقال للمعلّم: سأترك تعلّم الحروف لشخص غيري، لأني أنوي فتح دكّان، وهذا فقط ما سأحتاجه: عدّ الأموال.
نعود إلى عبد الله ودكّانه الصغير في مطرح، فقد تعاقد مع بائع صحف بمبلغ شهري على أن يأتي له يومياً بصحيفة واحدة فقط من الصحف الثلاث على التوالي: "عُمان" ثمّ "الوطن" ثمّ "الشبيبة" (صحف عُمانية سيّارة ما زالت تصدر). فصارت تأتيه واحدةٌ من هذه الصحف كلَّ صباح طوال الشهر، حتى في غيابه. وحين يصل عبد الله إلى دكّانه في الصباح يجد الصحيفة مربوطةً بخيط بلاستيكي ملفوف حولها، موضوعةً بجانب قفل الدكّان. يعدّ بعدها القهوة، ويفتح كيس التمر الذي أحضره معه، يأخذ منه قليلاً منتظراً غليان القهوة، ثمّ يرفع رجليه فوق طاولة صغيرة، ويفرش الصحيفة أمامه، ويقرأها على إيقاع احتساء القهوة.
بعد قليل، يظهر واحد من أصحاب الدكاكين أو ابن من أبنائهم أو حفيد ليأخذ شيئاً من الصحيفة، فيعطيه عبد الله قسماً قرأه. وإذا جاء في بداية الصباح قبل أن يغلي عبد الله قهوته، فإنه ينزع منها القسم الرياضي أو الاقتصادي ويعطيه له، على أن يرجعه بعد الانتهاء منه، ليأتي ويأخذ قسماً جديداً من الصحيفة. وهكذا يمرّ نصف النهار وقد قرأ الصحيفة نحو خمسة دكاكين في حارة الرحبيين، حيث تصطفّ مجموعةُ دكاكين ومطاحن للحبوب، تنشط أكثر في أثناء الأعياد ومع اقتراب شهر رمضان الكريم.
ولكن عبد الله ترك دكّانه لاحقاً، وعمل في قطاع أدوات البناء في حيٍّ بعيد من مطرح، يقع في أطراف العاصمة، هو حيُّ المعبيلة الشعبي.. وفي يوم الخميس الماضي، حين كان يملأ سيارته بنزيناً، لاحظ وجود صحيفة وحيدة في الحيّز الذي كان مخصّصاً لبيع الصحف والمجلات في المحطّة. حرّك الحنين عبد الله إلى الأيّام الخوالي في دكّانه بمطرح، وإلى صباحات صحيفته التي تقاسمها معه جيرانه، فدفع سعرها مائتَي بيسة، وانسحب.
وفي المنزل، صدم بدايةً حين اكتشف أن الصحيفة التي يحملها هي لعدد يوم الأربعاء، وليست الصادرة اليوم. لكن ماذا سيفعل إزاء هذا الموقف سوى الصمت؟ فحتى لو اشتكى إلى هيئة حماية المستهلك (الهيئة التي عادةً يلجأ إليها الناس في حالة الشكوى التجارية)، فسيبدو الأمرُ نكتةً مجّانيةً في وجوه موظفي الهيئة. فمن يهتم بالصحف الورقية الآن وبإمكانه أن يتصفّح كل ما يشاء منها بتقليب شاشة هاتفه السحري؟
المفاجأة الأخرى حين شاهده ابنه الصغير، مبارك، يقرأ. فسأله: "ماذا تفعل يا أبي؟". قال عبد الله: "أقرأ صحيفة". عاود مبارك السؤال، فقال: "ماذا يعني صحيفة؟". لم يشاهد الطفل في حياته صحيفةً، وقد كان الأب يفرشها مُغطياً بها وجهه، أو نائماً قليلاً وقد رفعها فوق رقدته. وحين تركها عبد الله، شرع ولده مبارك يقلّده، في البداية مُكبّاً على بطنه والصحيفة تحته، ثمّ وجده نائماً وهي تغطّي نصف صدره غطاءً. وفي اليوم التالي، جاءت طفلته صفيّة للبحث عن الصحيفة، بعد أن شاع خبرها العجيب في بيت عبد الله. فأجابها بأنه تخلّص منها، لأن من طبيعة الصحف ألا تبقى حتى اليوم التالي، وإلا ستكون أخبارها بائتة، متناسياً أنه الآن في صباح الجمعة، وقد مضى يومان، وليس يوم واحد على أخبار جريدته التي ذكّرته بزمن جميل لن يعود.
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية