حمد بن خليفة رجل من زمن الكبار

01 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:04 (توقيت القدس)

حمد بن خليفة في قمة مجلس التعاون في الرياض (10/12/2006 فرانس برس)

مرّت مراسم جنازة أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة من دون ضجيج. واكتفت البلاد بالحداد أربعة أيّام فقط، رغم الدور الكبير الذي لعبه في تاريخها. فهو الذي قرّر، وبادر، وتحمّل مسؤولية تحويلها إلى قطب سياسي واقتصادي وإعلامي رغم صغر مساحتها وقلّة عدد سكّانها. اقتصار مراسم رحيله على الحدّ الأدنى جاء بناءً على رغبته، وليس اجتهاداً من عائلته أو من الدولة التي سهر على بنائها. فقد عاش ومضى من دون ضجيج. أراد أن يكون متواضعاً في حياته ومماته، وترك للتاريخ أن يحكم عليه، مترفّعاً عن التبجيل والرمزيات التي لا تُعلي من شأن الحاكم إن لم يكن صاحب إنجاز يرفع به الرأس، ويجعل سمعته عطرةً على مرّ الزمن.

لو أنّ الشيخ حمد بن خليفة بحث خلال حياته عن مجد شخصي، لكان من السهل أن يحظى به، فلديه المواصفات كافّة التي تمنحه هذا، فهو صاحب إنجازات داخلية وخارجية تفيض عن سيرة حاكم نقل بلده من إمارة خليجية هامشية إلى مصاف الدول المتطوّرة صاحبة الدور والتأثير، ويكفيه فخراً أنّ العالم بات يحسب لقطر حساباً في منطقة الخليج والعالم العربي، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً. فما من شأن خليجي أو عربي على قدر من الأهمية إلّا ولهذا البلد كلمة ذات وزن، ورأي وازن. ولم يأت هذا من خلال نفوذ عسكري أو أمني، بل بالتوظيف العقلاني الرشيد للموارد على نحو يُحسّن أحوال أهل البلاد، ويفيد الداني والقاصي.

يشهد القطريون لهذا الرجل بالأثر الكبير الذي أحدثه في حياتهم على المستوى الاقتصادي، وعلى صعيد الخدمات الأساسية من صحّة وتعليم وتحسين مستوى المعيشة، والبنى التحتية من مطارات وموانئ وشبكة طرق ومشافٍ بمواصفات تفوق ما هو متوافر في أكثر الدول تقدّماً وثراء. وما كان لهذه النهضة السريعة التي حصلت خلال زمن وجيز، لا يتجاوز ثلاثة عقود، أن تتم لولا الطموح والتصميم والشجاعة في اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية وإدارة الموارد والقدرة والسهر على المتابعة والبناء في اتجاهات مختلفة. وهي تحتاج إلى إيمان بالفريق الواحد، وبالتفكير الجماعي، وبتوظيف الطاقات البشرية قبل المادية، وإلى إرساء ثقافة المؤسّسة التي تحتاج إلى قدر كبير من الصبر والمرونة.

يصلح النموذج القطري لأن يُحتذى به لجهة حرص الحاكم صاحب القرار على استثمار مقدّرات بلاده وطاقاتها في خدمة الصالح العام، واغتنام الفرص من أجل البناء. وهذا أمر ينطبق على الدول العربية التي سبقت منطقة الخليج قبل نصف قرن، ولكنّها تراجعت في سلّم التقدّم بسبب النزاعات على الحكم التي قادت إلى الانقلابات العسكرية، وخصوصاً في مصر وسورية والعراق. ومن المؤسف أنّ هذه الدول لم تستفد من تجارب غيرها الناجحة، ولم تتعلّم من دروس الفشل التي حوّلتها إلى بلدان تفتقر إلى أبسط المقوّمات، حتّى إنها باتت غير قادرة على تأمين شروط الحياة اليومية لمواطنيها من مياه وكهرباء وطرقات وتعليم وأمان.

لقد وصلت عدّة بلدان في عالمنا العربي إلى وضع لا تُحسد عليه، تعاني انهيارات على المستويات كافّة، في حين أنّها ليست فقيرةً على مستوى الموارد الاقتصادية والبشرية، وبات بعضها غير قادر على سدّ حاجات مواطنيه الذين أصبحوا يفضّلون الهجرة، مع أنّ أغلبها يمتلك مساحات زراعية شاسعة، وثروات طبيعية تكفيه، وتفيض عن حاجته. والسبب في ذلك: الفساد، واحتكار السلطة والثروة، والتعامل مع الدولة غنيمةً لا أداةً للبناء وتوظيف الموارد الاقتصادية والبشرية في سبيل التنمية والنهوض بحياة البشر.

شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد
بشير البكر
بشير البكر كاتب وشاعر سوري من أسرة "العربي الجديد" ورئيس تحرير سابق
بشير البكر