حمد بن خليفة باقياً حاضراً
يروي نبيل فهمي، في كتاب مذكّراته "في قلب الأحداث... الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير" (دار الشروق، القاهرة، 2022)، أنه في 1995، وكان موظّفاً رفيعاً في الخارجية المصرية، رافق وزير الخارجية عمرو موسى، في زيارة إلى الدوحة لتسليم رسالةٍ من الرئيس حسني مبارك إلى أمير قطر الشيخ خليفة بن حمد. وأن ولي العهد، الشيخ حمد بن خليفة، استضافهما ساعتَيْن ونصف الساعة على غداء. واستمعا منه إلى "رؤيةٍ جذّابةٍ ومتكاملةٍ ومفصّلةٍ عن التحدّيات التي تواجهها بلاده وعن طموحاتها، وتصوّره للدور الذي يجب أن تلعبه"، و"... بما يفرض عليها أن تصبح بلاده لاعباً إقليمياً، بغضّ النظر عن طبيعة الأحداث نفسها، أو الأطراف التي ستنحاز إليها". ويذكر فهمي أنّ موسى سأله عن رأيه بما سمعا من الشيخ حمد، "فاعترفتُ بأنني اندهشتُ وأُعجبتُ بتماسك الرؤى التي قدّمها وتكاملها، بصرف النظر عن أنني لا أتفق مع ما طرَح من مواقف وسياسات ...". ويسترسل الدبلوماسي المصري الذي أصبح لاحقاً سفيراً لبلاده في اليابان والولايات المتحدة، وصار أول وزير للخارجية بعد الانقلاب على الرئيس محمّد مرسي، واستلم قبل أيام مهامّه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، بإعجابٍ ملحوظٍ بنشاط الدبلوماسية القطرية وحيويّتها، وكذا بالحضور الإعلامي الكبير لدولة قطر، غير أنّ إعجابه أبداه مع انتقاداتٍ ظاهرة منه لهذا كله.
قيمة الإشارة أعلاه في أنّ فقيد قطر الكبير، أميرها السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يَشهد له باتّساع رؤيته، وبعلوّ طموحه بشأن بلاده، مَن هم في خانة ناقدي قطر، فضلاً عن أنّ ما يأتي عليه واحدٌ من هؤلاء (نبيل فهمي) سابقٌ في الشيخ حمد على تولّيه الحكم. وقد تأكّد تالياً أن هذه الرؤية المدفوعة بتطلعاتٍ كبرى تحقّقت باطّراد تسارعٍ فاق كل تصوّر، وعاينَها الأبعدون والأقربون، بعد نجاحاتٍ كبرى ما كانت الثروة وحدَها أن تنجزها، من دون الدرْس والتصميم والتخطيط والعلم والمعرفة والاعتماد على أصحاب الكفاءة والدراية. ذلك أن النهوض الاقتصادي والصناعي الذي مضت فيه قطر مع أول شحنة من الغاز الطبيعي المُسال في 1997 (إلى إسبانيا) ظلت تواكبه عمليةٌ تنمويةٌ مُثابرة دؤوبة، عمادُها البناء والتجويد والتطوير والتحديث والارتقاء على غير مستوى، العمراني والخدمي والتعليمي والصحّي والرياضي، بالتوازي مع تثويرٍ إعلاميٍّ ومعرفيٍّ غير مسبوقٍ في المنطقة العربية، تمثّل ببناء مؤسّساتٍ تنشط في تزويد الجمهور العام، المتنوّع، المحلي والعربي وفي العالم، بالمعرفة، وبما ينفع في تطوير القدرات والطاقات من مختلف الأجيال. وقد أثمر هذا كله، بالمنظور الذي أرساه الشيخ حمد وواصله الأمير الشيخ تميم، قطافاً طيّباً ليس في قطر وحدها، بل في أكثر من أرضٍ عربيةٍ وغير عربية.
ولا يُجازف واحدُنا إذا ما قال إنّ منجزاً عظيم القيمة أحدثه الشيخ حمد رحمه الله، ارتجاج التفكير السياسي الكلاسيكي الذي نظر في أدوار الدول العربية وحضورها اتكاءً على سعتها الجغرافية والسكانية والتاريخية، ذلك أنه، مع التسليم بصحّة هذا الكلام في أزمنةٍ مضت وانقضت، لم يعد صالحاً لا نظرياً ولا عملياً، والشاهد ما دشّنه ومضى فيه الشيخ حمد وتابَعَه الأمير تميم بشأن قطر، صغيرة المساحة محدودة السكان، إذ أصبح معلوماً أن دولاً كبرى وصغرى تطلُب وساطة قطر في خصوماتٍ وتوتّراتٍ أهليةٍ وبيْنية، بل وفي أزماتٍ عالميةٍ ثقيلةٍ أيضاً. ولئن يعصى في هذه السانحة الحزينة تعداد نزاعاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ نجحت الدوحة في إيصال أطرافها إلى تسوياتٍ أو حلولٍ أو تفاهماتٍ وتوافقات، فإننا لن نغفل هنا عن التذكير بالجهد الطيّب الذي أدّته قطر في حل الأزمة العسيرة التي كادت تودي بلبنانٍ في 2008، فاستضيف الشيخ حمد في جلسة البرلمان اللبناني التي انتُخب فيها ميشال سليمان رئيساً، وألقى كلمةً فيه لن تُنسى. أما فلسطين، ومنها غزّة بمحنتها المتتابعة فصولاً، فلا يمكن إلّا تثمين ما تواظب دولة قطر على تيسيره وتأديته من أجل الشعب الفلسطيني في أرضه المحتلّة، ولا يُنسى أن القائد الراحل هو الزعيم العربي الذي زار غزّة، والذي بنى سياسة انفتاحٍ كاملٍ على الكلّ الفلسطيني، للدفع باتجاه مصالحاتٍ وتفاهماتٍ بين الأفرقاء فيه.
... إنما انكتبت السطور أعلاه للتأشير إلى قليلٍ من غزيرٍ في إرث الشيخ حمد، ما يُبقيه في وجدان أبناء قطر والخليج وسائر الأمة اسماً استثنائيّاً مضيئاً... رحمه الله.