حمد بن خليفة... القائد التَّحْويلي
صور لأمير قطر الراحل الشيخ حمد بن خليفة في الدوحة (12/7/2026 فرانس برس)
في حقل دراسات أنماط القيادة والعلوم السياسية، ثمَّة أنواع مختلفة لمنطق القيادة وطرازها وشخصية القائد أبرزها: القيادة الأوتوقراطية السلطوية الفردية، والقيادة الديمقراطية التشاركية الشورية، والقيادة التفويضية القائمة على الثقة بالموظّفين والمرؤوسين ومنحهم الصلاحيات الكافية مع توجيه عام، والقيادة التبادلية القائمة على مبدأ العقاب والثواب لفرض دفع العمل قدماً، إلخ. إلّا أنّ ثمّة نوعاً آخر، أو درجة أعلى وأرقى، من القيادة وفنّها، حيث لا يكون القائد مجرّد إداريٍّ أو مدير فحسب، بل يكون قائداً بمعنى الكلمة لا مجرّد صاحب مشروع فحسب، بل هو مُتماهٍ معه ومنفعل به وموجِّه لدفّته. إنّه نوع من القيادة يكون القائد فيها ملهماً للفريق العامل معه، محفّزاً له على الابتكار والإبداع، وتجاوز حدود الإمكان المُصطنَعة أو المتخيّلة، ودافعاً إلى تغيّرات جوهرية مضبوطة برؤية واعية وصلبة.
عالم الاجتماع الأميركي جيمس دانتون أوّل من صكَّ مصطلح "القيادة التَّحْويلية" (Transformational Leadership) عام 1973، ثمّ طوّره عالم الاجتماع السياسي الأميركي جيمس بيرنز وأدخله إلى حقل العلوم السياسية عام 1978، ليأتي من بعدهما الخبير القيادي الأميركي برنارد باس ويؤطّر هذا الطراز من القيادة بشكل منهجي. ويقوم هذا النهج القيادي على أركان أربعة: التأثير المثالي الذي بموجبه يجسّد القائد نموذجاً أخلاقياً رفيعاً، ويكسب ثقة مرؤوسيه واحترامهم العميق، والتحفيز الإلهامي الذي يتلخّص في قدرة القائد على تقديم رؤية واضحة ومتماسكة تدمج جميع العاملين تحته ومعه فيها، وتمنحهم إحساساً بهدف مشترك، والتحفيز الفكري، المنطلق من تحدّي إكراهات الوضع القائم، وتشجيع الإبداع والتفكير النقدي، والابتكار في حلّ المشاكل، والاعتبار الفردي القائم على تقديم إرشاد مباشر، وشخصية مُتعاطفة مُصغية لدعم عمل كلّ فرد في الفريق ضمن الرؤية الكلّية والعمل الجمعي. إذن، نحن أمام طراز ونهج قيادي لا يكون فيه القائد كارزمياً وملهماً على مستوى شخصي فحسب، بل قاطرة تغيير في سياق مشروع كبير ضمن رؤية عليا، يصبح فيها كلّ مَن هو حوله وتحته جزءاً من دافعيتها الذاتية.
جعل الشيخ حمد من قطر الصغيرة مساحة وحجماً، كبيرة إنجازاتٍ ودوراً وذكراً
نماذج هذه القيادة التَّحْويلية، على قلّتها، تكرّرت، وهي ظاهرة لم تنقطع على مدى التاريخ الإنساني. والقيادة التَّحْويلية ليست بالضرورة خيّرة دائماً، سواء رؤية ومشروعاً، أم شخصية وممارسة. في السياق الديني، كان الأنبياء والرسل عليهم السلام قادةً تَحْويليين خيّرين، وإن بدرجات متفاوتة، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد (عليهم أفضل الصلاة والسلام) النماذج الأبرز هنا. أمّا في السياق التاريخي والعسكري والدولاتي، فكان هناك الإسكندر المقدوني، والإمبراطور الروماني يوليوس قيصر، والغازي المغولي جنكيز خان، والفاتح المسلم خالد بن الوليد. أمّا في التاريخ القريب، فلدينا الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، والزعيم الألماني أدولف هتلر، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وقائد الاستقلال الهندي المهاتما غاندي، ومُفكّك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا. وفي مجال الريادة والأعمال، هناك مؤسّس شركة مايكروسوفت بيل غيتس، وستيف جوبز الذي قاد التحوّل في شركة آبل... إلخ.
توفي، الأحد الماضي (12 يوليو/ تموز الجاري) في قطر المغفور له، بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. أزعم أنّه كان قائداً تَحْويلياً، ليس على مستوى قطر فحسب، بل على الصعيد العربي كذلك، وما وراءه. عندما تولّى الشيخ حمد الحكم عام 1995، كانت قطر دولةً خليجيةً صغيرةً وهامشيةً في السياقات الخليجية والعربية والإقليمية والدولية. منذئذ، لم تتوسّع مساحة قطر جغرافياً، ولكنّ مكانتها ارتقت بصورة مطّردة وسريعة، اقتصادياً وعُمرانياً وإدارياً وسياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً. لست هنا في وارد تفصيل كلّ معطى، فهي معلومات راهنة ومَعِيشة ومعلومة للقاصي والداني. يقول بعضهم إنّ قناة الجزيرة وتطوير بنى الغاز والنفط وضعت قطر على الخريطة، ولكن ما يغفل عنه هؤلاء أنّ توظيف أدوات القوة الناعمة القطرية لم ينطلق من فراغ، ولم تنسح بفوضوية، وإنّما كانت خلفها قوّة دافعة، ذات رؤية متماسكة ومنظّمة، وقيادة واعية مُلهمة تعرف ماذا تريد، جسّدها الشيخ حمد وفرق عملت معه، ولا تزال مستمرّة تحت قيادة ابنه وأمير البلاد الحالي الشيخ تميم.
أسّست قيادة الشيخ حمد لمقاربة مختلطة ما زالت تتبعها قطر، تسدّد وتقارب، وتوازن بين تعقيدات وإكراهات كثيرة ومعقّدة
أعلم أنّ هناك من يقارب دور قطر على أنّه ملائكي لا شِيَةَ فيه، مثل دعمها القضية الفلسطينية وفصائل المقاومة والثورات العربية، وإيواء بعض الأحرار الذين ضاقت بهم بلادهم، وهو ما جرّ عليها غضباً عربياً، وإقليمياً، ودولياً، وصل إلى حدّ حصار الأشقاء العرب لها في عام 2017. كما أعلم أنّ هناك من يقارب دور قطر على أنّه تخريبي بزعم أنّ الحجر الذي ألقته في بركة الركود العربي عبر حرّية الإعلام، والوقوف مع الثورات العربية، وإيواء من ضاقت بهم فضاءات بلادهم القمعية، أسّس للفوضى عربياً، بحسب زعمهم. ولا تخفى تلك المقارنات التي تطرح اليوم عن تناقضات دعم قطر للمقاومة الفلسطينية مثلاً، واستضافتها أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة. شخصياً، أرى أنّ قيادة الشيخ حمد أسّست لمقاربة مختلطة ما زالت تتبعها قطر، تسدّد وتقارب، وتوازن بين تعقيدات وإكراهات كثيرة ومعقّدة، لكنّ جوهرها خيّر ونافع ومتّسق مع الضمير العربي الجمعي، حتّى إن خالطها بعض الغبش في سياقات معيّنة، إذ تبقى قطر دولة محدودة الحجم والإمكانات. وليس من أراد الحقّ فأخطأه كمن أراد الباطل فأصابه. واللافت هنا، ويستحقّ الإشادة، أنّ القيادة القطرية لا تقدّم سياساتها وموازناتها بصورة ملائكية، بل تعترف وتُقرّ بإكراهات الواقع والحسابات، ولكنّها تؤكّد، ما استطاعت، وتعمل على الانقياد قدر الإمكان، لبوصلة تُعلي من مصالح شعبها وأمّتها.
لهذا كلّه، كان الشيخ حمد رحمه الله شخصيةً قياديةً تَحْويليةً، إذ جعل من قطر الصغيرة مساحة وحجماً، كبيرة إنجازاتٍ ودوراً وذكراً، بل أبعد، فقد كان ممّن وضعوا حجر الأساس لتحوّلات عربية كبرى آخذة في التشكّل.