حمد بن خليفة ... أمير التغيير
صورة للشيخ حمد بن خليفة على مبنى في الدوحة (12/7/2026 فرانس برس)
كلّما اضطربت أوضاع اليمن، امتدّت أيدي العون من دول شقيقة وصديقة تدرك قيمة اليمن التاريخية وقدره. فترى لهذه الدول، الخليجية خصوصاً، مكانةً تستوطن قلوب اليمنيين تقديراً (وامتناناً) لأدوار قيادات تلك الدول وتعاملها مع قضايا اليمن، منقسماً كان أم موحّداً الآن. وهنا يبرز دور دولة قطر الاستثنائي الذي صاغه "أمير التغيير"، الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني، بما عُرف عنه من يد حميدة معطاءة، وطموح كبير سبق تولّيه السلطة في يونيو/ حزيران 1995.
اختطّ الأمير الوالد رحمه الله نهجاً خاصّاً في العلاقات القطرية اليمنية؛ على الرغم من العلاقات المميّزة التي ربطته بأهمّ رؤساء اليمن، لم يتجنّب التواصل مع القوى السياسية اليمنية الأخرى على غرار انفتاح بلاده على تيّارات متنوّعة، لتغدو عاصمته دوحةَ تواصل وتفاهم مع مختلف الأطراف.
لا نغفل الوجه السياسي للعلاقات مع صنعاء التي تردّد عليها الأمير حمد مراراً خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مفتتحاً مرحلةً جديدةً، مزيلاً أسباب التوتّر أو مزيحاً غيوم خلاف عابر. ودونما نسيان عرضه طلب انضمام الجمهورية اليمنية إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في أثناء انعقاد قمّة الدوحة في ديسمبر/ كانون الأول 1996، وكذلك ما تخلّل المواجهات بين السلطات اليمنية والمتمرّدين الحوثيين من وساطة قطرية أفضت إلى إبرام اتفاق الدوحة (2007). وبغير استبعاد لتعدّد أشكال التعاون الاقتصادي بالمِنح المباشرة وبالمشاركة في مؤتمرات مانحي اليمن، وتأسيس مشاريع استثمارية كُبرى مثل "تلال الريان" وغيرها في مواقع استراتيجية.
يُحمَد للشيخ حمد النجاح في كسر احتكار ملاعب أوروبا والأميركيتَين لدورات المونديال
نقترب من لفتات إنسانية مهمّة غير ذات صلة بمشاريع "صلتك" أو برامج "مؤسّسة قطر الخيرية". ونتذكّر الآتي: حين حلّ ضيفاً على اليمن في أغسطس/ آب 2000، تخلّل المؤتمر الصحافي المشترك مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح حديثٌ عن آثار حرب 1994 وبعض أطرافها، اتّساقاً مع موقف بلاده المبدئي المؤيّد وحدة اليمن، متوائماً مع موقف دولي حازم واصطفاف شعبي يمني حاسم إزاء هذا الأمر، انبرى الأمير الوالد للحديث مُنصِفاً الأطراف الشريكة في إعادة وحدة اليمن عام 1990، وإن انحرفوا لاحقاً، تأكيداً أنّ التاريخ لا ينكر أدوار صانعيه، مهما تبدّلت مواقفهم.
أمّا اللفتة المُختزَنة في الذاكرة الشعبية فترتبط بمونديال 1994، حين لم يتسنَّ للمواطنين اليمنيين مشاهدة مبارياته في الولايات المتحدة، فبُثّت المباريات بالربط الشبكي التلفزيوني بين قناتَي قطر واليمن. يُحمَد للشيخ حمد النجاح في كسر احتكار ملاعب أوروبا والأميركيتَين لدورات المونديال، ودشّن احتضان ملاعب دول شبه الجزيرة العربية للمونديال الكروي، باستضافة قطر مونديال 2022.
بإدراكه أهمية امتلاك أحد أمضى أسلحة العصر، أشهر سيف الإعلام، فنفذت من "دوحته" قناة الجزيرة إلى عقول ونفوس مختلفة ومؤتلفة على حدّ سواء. لا نبالغ بتسميته "أمير التغيير". فمع الأمير الوالد تغيّرت صورة قطر أمام العالم. غيّر وجه بلاده، فعزّز توجّهاتها ونوّع اتصالاتها وضاعف وزنها الدولي بما يتناسب مع مقدّراتها وطموحها وصورتها الجديدة، وأدوارها المثيرة.
وقبل أن يغادر قصر الحكم، سنّ التداول والتغيير السلمي بتسليم مقاليد السلطة إلى نجله الأمير تميم بن حمد، في يونيو/ حزيران 2013؛ فغادر الدنيا وهو يتصدّر موقعاً لا يغادره في تاريخ قطر الجديد. في التاريخ حياة.