حمامة تصيدُ عُقاباً

حمامة تصيدُ عُقاباً

09 ديسمبر 2021
الصورة

(هيني ساندوفال)

+ الخط -

اتفق معلمو الألمانية النازحون والوافدون على ميزان إعرابي في اللغة الألمانية، هو أنَّ "الداتيف" يقابل الجرَّ بالإضافة في العربية، و"الأكوزاتيف" يعادل النصب مفعولاً به، والمعلمون بالعشرات في وسائل التواصل، فلا يلبث الوافد الحاذق بعد سنةٍ من تعلّم الألمانية أن يتحوّل من دودة عاجزة إلى فراشةٍ محلّقةٍ في سماء اللغة الألمانية، فهي لغةٌ ميسورة، وإن زعم المتأخرون أمثالي أنّها صعبة. لحقت بصفحات هؤلاء جميعاً، أقتبس علماً حازه غير خاسر، فكثر المعلمون عليَّ، وتنوّعت المضارب والمشارب، وضاع العلم.

أمّا معلمو العربية الفقهاء فقلّة، بل إنّي أجد كثيرين من معلمي العربية الطامعين في الغنائم بغاثاً استنسروا، حتى أنّي وجدت صديقاً شاعراً كتب قصيدة بعنوان: "أحبك أنتي" ويبدو أنّ حبيبته صينية، يلتبس شكلها بشكل غيرها، وجنسها بالذكور، فاستبدل الكسرة بياء المؤنث المخاطب.

وكان السامرائي المولود في ألمانيا، وهو معلمٌ مجتهدٌ ومربٍّ أيضاً، يعلّم طلابه الوافدين آداب احتساء السوائل من غير إصدار أصوات تشحيط سيارات، وتجنّب الطرق على النضد بكعب القدح بعد شحط حسية الشاي، فلسنا في محكمةٍ أو في سوق النحاسين. استضاف السامرائي معلماً مصرياً في أحد دروسه انتفاعاً بعلمه بعد سنتين من الوفود، والمصريون يجدون صعوبةً في نطق القاف، ويبدو بارعاً في تعلّم الألمانية، لكنّه عن العربية في عمٍ.

عانى المذيعون المصريون على الفضائيات مشقةً في نطق اسم الشهيد خاشقجي، فكانوا يتعثّرون في نطق القاف، بسبب مجاورته حرف الجيم المصري. تباهى مذيعو الفضائية السورية بفصاحة أهل الشام، وعابوا على العواصم العربية ألحانهم، يغرض عبيد الروس والفرس من وراء ذلك إلى القول: من صحّت لغته صحّت سياسته، إن يقولون إلّا كذبا.

أخبرت معلم اللغة الألمانية أنّ الألفاظ العربية في الألمانية تنوف على الألف، فتعجّب وسألنيها، فأرشدته إلى كتاب زيغريد هونكه "شمس الله تسطع على الغرب" الذي عُرّب تحت عنوان: شمس العرب تسطع على الغرب، وأخبرته أنّي وجدت ألفاظاً لم تحصها السيدة زيغريد هونكه، فازداد عجباً وسألني أمثلة، فقلت مثلاً (gut) الألمانية و(good الإنكليزية) قريبة من جيّد، وقد تكون منها، وفعل (geh) بالألمانية و(go بالإنكليزية) قريب من جاء العربية، فلعلّهما إخوة تفرّق شملهم بالظلم والقصف.

عادة ما أقرأ القاموس قراءتي لقصيدة، متمتعاً بسجية العربي وهو يشتقّ الألفاظ من بعضها، وقد أغضبني محمد عابد الجابري الذي ظنَّ أنّ شهادته تشفع له في السخرية من البدوي في كتاب "نقد العقل العربي".

أمس وجدت أنّ الأداة "أمّال" التي وردت في "مدرسة المشاغبين" عندما هدّدت أبلة عفّت بقصّ لسان مرسي الزناتي من لغاليغه، عربيةً أصيلة، وأصلها "إمّالا". أخبرت صديقي الباحث محمد الشاويش الذي يجيد الألمانية أنَّ "كورس" التي ترد في ألفاظ التعليم اللاتينية عربية، وأصلها من الكرسي، والكرسي أصله من العلم "وسع كرسيه السماوات والأرض" أي علمه، ثم تعدّت إلى الكرّاسة، والكرسي الذي يجلس عليه المعلم للعلم والدرس، فسُرَّ بها، وبحثت عن أصل "الشناج" الذي يتداوله عمال البناء السوريون، فوجدت أصله من شنج، وتشنج، فشبكة الحديد تشبه شبكة الأعصاب المتشنجة، وعدت إلى معجم الأسدي لمعرفة أصل "بلكي" بمعنى ربما ولعلَّ، وكنت أظنُّها من لمّ شمل "بل وكي" على وسادة واحدة في الحلال، فوجدته يقول إنّ أصلها: بل العربية وكه الفارسية، وهي للتعليل أو للعكس.

عادة ما أجد نفسي غائصاً في بحار القاموس بحثاً عن لؤلؤة كلمة، فأجد من اللآلئ والدرر في البحر ما لا أجده على البرّ، الشباب يتعلمون بسرعة، وليس كالكبار أمثالي الذين ما زالوا يعانون من مأساة الداتيف وملهاة الأكوزاتيف.

شرح السامرائي الداتيف في درس قصير بعنوان: تعليم الداتيف بالمكواة، فخلب العنوان لبّي، وذكّرني بعنوان كتاب فلاينت ليفري: اختبار بشار بالنار؛ الداتيف للعقلاء، أما الأكوزاتيف، فمحصور بالأشياء والجماد غالباً.

وجدت حمامة يد معلمة اللغة الألمانية الرومانية تحطُّ على جارحة يدي، وتقول لي بعدما تسربلت خيلي بالدم: لقد أصبحت تميز بين منصوب الأكوزاتيف ومجرور الداتيف أيها الفتى!

مكثت يد الفتى ببراثنها مستكينة تحت جناح راحتها الوثيرة، ثم إنّها رفعتها فوجد الفتى أثر كيِّة الورد فيها مثل باقي الوشم في ظاهر اليد.