حلف جديد يضمّ السعودية

29 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تجاوز التهافت العربي الملهوف للتقرّب من إسرائيل، وفتح سلسلة من العلاقات التجارية والسياحية والكيدية معها، مجرّد الميول التطبيعية أو الطبيعية، فقد سارعت، وفي وقت قصير، دول خليجية، إلى جانب السودان، لعقد صفقاتٍ ثنائية، تتبادل فيها الدول علاقاتٍ قيل إنها ستغدو طبيعية. طريقة الإعلان التي ظهرت، في أثناء عقد هذه الاتفاقيات مع مظاهر الاحتفالات، وكثير من المقاطع المصوّرة، تؤكد رغبة تلك الدول في عقد تحالفات إقليمية جماعية، خصوصا أن الدولة الكبرى في الخليج لم تخفِ مباركتها، وإن أظهرت نأيا إعلاميا، سرعان ما تبدّد عندما أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية عن اجتماع سري لمسؤولين سعوديين رفيعي المستوى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكأن هذا الاجتماع الذي رفض نتنياهو أن يؤكّده أو ينكره صادق على الخطوات التي سبقته بين مجموعة من الدول العربية وإسرائيل، فأصبح موضوع هذه الائتلافات، وكأنه تشارك في تحالفٍ ظهرت خطوط عريضة منه.
قد تكون السعودية مستهدفةً أكثر من مصر في هذا التحالف الواسع، والذي كان دونالد ترامب ومستشاروه يتراكضون لإنجازه، بدءا من ثبيت ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بقوة، وتأمين مركزه المستقبلي، وحمايته من عواقب الزلات الكثيرة التي اقترفها في الداخل والخارج، ووصولا إلى نقطة انتهاء المرحلة الأولى بتدشين هذا التحالف بلقاء سرّي. والسعودية هنا تمثل العمق السنّي الذي احتضن المقدّسات الإسلامية الرئيسية، وكان الحضن الطبيعي لمشروع رفض الدولة اليهودية. والسعودية صاحبة المبادرات العربية لحل القضية الفلسطينية التي بدأت بمشروع الأمير فهد عام 1981، القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة في 1967، وإخلاء المستوطنات، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين.. إلى جانب مشروع السلام العربي الذي أطلق عام 2002، وقد أضيف فيه بند الانسحاب من الجولان المحتل بشكل واضح، في مبادرةٍ بدت أكثر وضوحا خلال ذكر العلاقات الطبيعية مع إسرائيل وإنهاء حالة الحرب. ترغب إسرائيل في مغازلة هذا المركز المهم، وضمّه إلى مجموعة الدول المطبّعة، مع التخلص من كل ما كان يضع السعودية في مركزها المتميز، وإزالةِ صفة القيادة عنها، لتتحول إلى عضو في حلفٍ أكبر، لديه أهداف مختلفة ورؤى مغايرة.
كان تطبيق هذه الرؤية سيتسارع بشكل سلس، لو قيّض لترامب النجاح في انتخابات الرئاسة، ولعل اللقاء السرّي السعودي الإسرائيلي في نيوم السعودية، في الأيام الأخيرة لترامب، إشارة إلى النية في وضع خططٍ جديدةٍ لإكمال المهمة، وسبل استمرارها حتى بوجود جو بايدن في البيت الأبيض، الذي بالتأكيد سيؤثر قليلاً في فرملة تسارع المشروع..
التبديل المنتظر سيكون على يد من يمسك بملفات الخارجية وشؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض، بعد أن يتمكّن المنسق الجديد من دراسة كل الملفات المتعلقة بهذا المشروع الذي بدأ للتو، والذي قد يجد فيه بايدن فرصةً مناسبةً ليبدو بمثل صلابة ترامب نحو إيران، وهذا التحالف الذي تقوده إسرائيل يمكن أن يؤمّن له درعا واقيا في وجه إيران، وهو ما لا تُخفي دول التحالف الرغبة فيه أيضا.
قد يولد هذا الحلف المدعوم أميركياً، لدى الأطراف الموجودة خارجه، الرغبة في التمترس وراء أيديولوجيتها الخاصة، وهي تستند إلى رغبةٍ شعبيةٍ عارمة برفض إسرائيل، تأتي حتى من شعوب تلك الدول التي أنجزت اتفاقات التطبيع الخاصة بها، لذلك تم اللجوء إلى تسويق هذا الحلف شعبيا، بالتركيز على زيارات فنانين عرب لإسرائيليين والتقاط صور معهم وتوزيعها بشكل مفرط ومقصود، لإيصالها إلى العدد الأكبر من الجمهور العربي، كما بدأت حملاتٌ تبرز التقارب بإيفاد واستقبال مواطنين من إسرائيل وإليها، وإظهار أعلامها في الأسواق، وعزف نشيدها الوطني لمحو كل أثر سلبي موجود عن الدولة العبرية، وإحلال قيم مستحدثة تخدم التوجه الجديد الذي يبدو كأنه استراتيجيا نهائية لا رجوع عنها، بما يفتح الباب أمام تغيّر اجتماعي جذري، تفرض فيه قيم مختلفة.