حكومة ما بعد الانتخابات في الجزائر

حكومة ما بعد الانتخابات في الجزائر

12 يوليو 2021
الصورة

مقر المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) في الجزائر العاصمة (8/7/2021/Getty)

+ الخط -

شهدت الجزائر، يوم 12 يونيو/حزيران الماضي، تنظيم الانتخابات التشريعية المبكرة التي كان الرئيس عبد المجيد تبون قد دعا إليها في 22 فبراير/شباط الماضي، وذلك بعدما تم، في 1 مارس/آذار 2020، حلّ المجلس الشعبي الوطني، وهو قرار كان الرئيس قد أعلن عنه في خطاب وجّهه إلى الشعب يوم 18 فبراير/ شباط من السنة نفسها، استجابة لبعض مطالب الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير/ شباط 2019، ولعلّ أهمها عدم ترشّح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى عهدة رئاسية خامسة، فضلاً عن مناهضة الفساد وضمان حرّية التعبير والتنظيم... إلخ.
جرت هذه الانتخابات طبقاً للقانون الانتخابي الجديد الصادر في 10 مارس/ آذار 2021، الذي شدّد على نقاط مهمة عدة، كمحاربة الفساد المالي صلب العملية الانتخابية، من خلال ضبط مصادر التمويل الشرعية وتحديد هيئاتٍ رقابية مختصة، بالإضافة إلى ضمان مبدأ المناصفة بين الجنسين، وتدعيم المشاركة الشبابية.. إلى آخره. كما نص أيضاً على اعتماد مبدأ "الاقتراع النسبي على القائمة المفتوحة، مع تصويت تفضيلي من دون مزج" وهو ما يضمن، بحسب متابعين عديدين، نسبة عالية من تساوي الحظوظ بين المرشحين.

شهدت الانتخابات مقاطعة أحزاب عدة، محسوبة على "التيار الديمقراطي"، وفي مقدمتها جزء من رموز الحراك الشعبي

وعلى الرغم من دعوات المقاطعة العديدة، شهدت الانتخابات مشاركة أحزاب عديدة منضوية تحت تيارات سياسية وفكرية مختلفة، وطنية وإسلامية وليبرالية. ومع ذلك، شهدت مقاطعة أحزاب أخرى عدة، محسوبة على "التيار الديمقراطي"، وفي مقدمتها جزء من رموز الحراك الشعبي. وقد اعتبرت أنّ شروط تنظيم انتخابات حرّة وشفافة، تضمن التنافس النزيه بين مختلف المترشحين، غير متوفرة حالياً، فالانتخابات ليست سوى عملية لإعادة إنتاج النظام السابق، بحسب تقديرها.
ولم يخلُ السباق الانتخابي من التشويق، غير أنّ نسبة المشاركة الضعيفة (23.03%) كانت لافتة. وعلى الرغم من قول الرئيس عبد المجيد تبون، قبل إعلان النتائج، إنّ نسبة المشاركة ليست مهمة، وإنّما المهم إفراز الصندوق ممثلي الشعب الذين سيتمتعون بالشرعية الكافية لممارسة السلطة التشريعية، فإنّ متابعين عديدين للشأن السياسي الجزائري يرون أنّ هذه النسبة قد تفتح الباب مجدّداً أمام عودة التوتر بين السلطة وجزء من القوى المعارضة، وفي مقدمتها الحراك الشعبي الذي يعتبر هذه النسبة دليلاً على ضعف شرعية البرلمان الجديد.

لم يتأخر الرئيس تبّون في تعيين حكومة جديدة، حرص على أن تكون "انتقالية" جمعت بين وجوه من الماضي وأخرى من وحي لحظة الانتخابات الحاضرة

بدا المشهد السياسي الذي أفرزته الانتخابات تعدّديا، تتصدّره جبهة التحرير الوطني، بثقلها ورمزيتها التاريخية، تليها حركة مجتمع السلم ذات التوجهات الإسلامية، مبرهنة على قدرتها الفائقة على التعبئة والتكيف مع التطورات المتلاحقة، في ظلّ ذاكرةٍ ما زالت تتحفظ على الإسلام السياسي. كما سجلت النتائج حضوراً لافتاً للمستقلين، فقد شكلوا على مستوى المقاعد الكتلة الثانية، وثمّة ارتفاع في الحضور الشبابي وتراجع تمثيلية النساء.
لم يتأخر الرئيس تبّون في تعيين حكومة جديدة، حرص على أن تكون "انتقالية" جمعت بين وجوه من الماضي وأخرى من وحي لحظة الانتخابات الحاضرة. ولذلك، كانت هذه الحكومة هجينة بكلّ ما في كلمة هجانة من معانٍ: هجانة القوى السياسية التي شكلتها جبهة التحرير ومعها المستقلون وبعض قوى الإسلام السياسي المعتدل، على الرغم من عدم مشاركة حركة مجتمع السلم التي كانت قد ناهضت هذه القوى ونازعتها الشرعية منذ بداية التسعينيات. هجانة جيلية، فقد جمعت الحكومة أجيالاً قديمة، ما زالت ذاكرتها مشدودة إلى ماضي جبهة التحرير وإرث نضالها المرير ضد الاستعمار، لكنّها أيضاً ضمت أجيالاً جديدة، لم تعد منبهرةً بتلك السرديات الكبرى التي تعتقد أنّها تأسطرت إلى حدّ غدت معه خانقة... وأخيراً، هجانة التكنوقراط والسياسيين.

التحدّي الأكبر سيظل تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، يقطع مع بقايا النظام الشمولي، الذي سهرت على تربيته جبهة التحرير والجيش

لم تفرز الانتخابات أغلبية برلمانية، على الرغم من السبق الانتخابي الذي حازت عليه جبهة التحرير، وهو ما سمح للرئيس تبون بأن يعين وزيراً أول (رئيس حكومة) طبقا للمادة 103 من الدستور، فاختار الشخصية المستقلة، أيمن بن عبد الرحمن، الذي شغل منصب وزير المالية، وقبل ذلك محافظ البنك المركزي، وهو شخصية تكنوقراطية غير متحزّبة، يعوّل عليها الرئيس من أجل توسيع مشاركة أكبر طيف سياسي ممكن في الحكومة أو الحياة السياسية، من دون ارتهان واضح إلى جبهة التحرير، وحتى يعطي بذلك أيضاً انطباعاً أنّه يقود مرحلة جديدة تقطع مع مناخات هيمنة جبهة التحرير، وإن رمزياً. وبذلك، لسنا أمام حكومة جبهة التحرير، بل هي حكومة أقرب إلى التوافق السياسي المحدود، خصوصاً في ظلّ نسبة المشاركة الضعيفة، وإحجام قوى سياسية عديدة عن المشاركة، سواء في الانتخابات أو في الحكومة.
ستجد الحكومة الجزائرية داخلياً نفسها أمام رهانات ثلاثة رئيسية: تعزيز المشاركة السياسية. ثم الانفتاح على تلك الأغلبية الصامتة التي ظلت تنظر بكثير من الريبة إلى الانتخابات ذاتها، باعتبارها هروباً إلى الأمام أو التفافاً على مطالب الحراك، وربط جسور ما مع رموز الحراك، حتى تلطف من إمكانية استعادة أنفاسه، خصوصاً أنّ المناخ السياسي ما زال محتقناً، ولعلّ الاعتقالات والمضايقات التي طاولت نشطاء عديدين تؤشر إلى ذلك. أما الرهان الأخير فيعود إلى قدرة الحكومة الجديدة على تجنب مراقبة ومحاسبة عسيرتين قد يمارسهما البرلمان، إذا ما حرص على أن يلعب دوره كاملاً، حتى يعزّز من شرعيته الضعيفة.
أما التحدّي الأكبر فسيظل تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، يقطع مع بقايا النظام الشمولي، الذي سهر على تربيته عقوداً طويلة توأما الدولة الجزائرية الحديثة: جبهة التحرير والجيش.