حكم بالإعدام على حسينة واجد... ديمقراطية الأعيان في بنغلادش
بنغاليون يتظاهرون أمام منزل رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة في دكا (17/11/2024/Getty)
لو كانت رئيسة الحكومة السابقة الشيخة حسينة واجد في بنغلادش (مقيمة حالياً في الهند) لربما ما كان حكم الإعدام الغيابي بحقّها ليصدر، خوفاً من اندلاع حرب أهلية في بلاد ما تزال تتمتّع فيها الشيخة حسينة بتأييد شعبي لا يُستهان به، بحكم إرث عائلتها التاريخي.
وصل التوتّر السياسي إلى ذروته في بنغلادش في أغسطس/ آب العام الماضي 2024، حينما اندلعت انتفاضة قادها الطلاب احتجاجًا على تردّي الأوضاع السياسية والقانونية والاقتصادية في البلاد. وبعد أسابيع من مُظاهرات دامية عمّت أرجاء بنغلاديش، قدّمت الشيخة حسينة استقالتها من منصبها رئيسةً للحكومة، وفرّت إلى الهند؛ الحليف التقليدي لبلادها.
الاستقلال المأزوم
أصبحت باكستان في 14 أغسطس/ آب عام 1947 دولةً مستقلةً من دول رابطة الشعوب البريطانية (الكومنولث)، وأصبح محمد علي جناح الذي يُعتبر مؤسّس دولة باكستان أوّل رئيس حكومة في باكستان. كانت باكستان آنذاك تضم باكستان الحالية إلى جانب بنغلادش الحالية المعروفة سابقاً باسم باكستان الشرقية، على الرغم من عدم وجود تواصل جغرافي بينهما، إذ كانت باكستان الشرقية (بنغلادش حالياً) منفصلة عن باكستان الغربية بعرض الهند، وكانت أكثر سكانًا من باكستان الغربية: 42 مليوناً في الشرقية مقابل 33 مليوناً في الغربية، بحسب إحصاءات عام 1951، وإن كانت باكستان الغربية أكبر مساحةً بكثير من باكستان الشرقية.
أقيمت باكستان في الأقاليم ذات الأغلبية المسلمة من الهند (البنجاب، السند، بلوشستان، غرب كشمير، باكستان الشرقية أو البنغال الشرقية)، وتميّزت هذه الأقاليم بوجود اختلافات لغوية وعرقية قوية. وقد هاجر الملايين من المحافظات ذات الأقلية المسلمة إلى جناحي باكستان ليستقرّوا مع أناسٍ يشتركون معهم في العقيدة فقط (الإسلام). وفقاً لسيد فالي رضا نصر، كمنت المشكلة في أنّ أغلب زعماء الحزب الحاكم "العصبة المسلمة" ولدوا وترعرعوا في محافظات ظلّت تابعةً للهند، ولم تنفصل عنها، وبالتالي، لم تكن لهم قاعدة سياسية في بلادهم الجديدة. ولذلك نُظر إليهم في أقاليم الدولة الجديدة (باكستان) على أنهم غرباء بلغتهم الأردية.
أثار تحكّم النخبة الأردية هذه في مفاصل الدولة الجديدة استياء أبناء الأرض، وعجّل وقوع توتّرات عرقية، ومطالبات قوية من باكستان الشرقية بتوزيع جديد للسلطة والموارد داخل الدولة، إذ أصرّت باكستان الشرقية على حصّة أكبر من الاستثمارات الاقتصادية والنفقات العسكرية. ورفضت إسلام أباد تحت سلطة جناح ومن أتى بعده إعادة توزيع الموارد وتوزيع السلطة، ونتيجة لذلك عُزل السكان البنغاليون في الشرق تدريجيّاً.
عام 1970 اندلعت مظاهرات قوية في باكستان الشرقية احتجاجاً على رفض قادة باكستان الغربية الاعتراف بنتائج الانتخابات
وعلى الرغم من تشديد السلطة على الرابطة الإسلامية بوصفها رابطة مشتركة تجمع شطري الدولة الغربي والشرقي، وعلى الرغم من حدوث تطوّر اقتصادي في البلاد خلال خمسينيات القرن الماضي وستّينياته، إلا أن إهمال الشطر الشرقي سياسيّاً واقتصاديّاً ظلّ أحد أركان سياسة إسلام أباد في الغرب، خوفاً من ميل القوّة لمصلحة الشرق.
وتفجّرت الأوضاع الداخلية عام 1970 بعيد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية: فازت "رابطة عوامي" بـ 167 مقعداً من 169 مقعداً من مقاعد البرلمان لباكستان الشرقية من مجموع 300 مقعد، غير أنّها لم تفز بأيّة مقاعد في باكستان الغربية، في حين فاز حزب "الشعب" التابع لـ ذو الفقار علي بوتو بـ 81 مقعداً من أصل 138 مقعداً من المقاعد المُخصّصة لباكستان الغربية، ولم يفز بأيّ مقعد في باكستان الشرقية. على إثر هذه النتائج، طالبت "رابطة عوامي" بقيادة الشيخ مجيب الرحمن (والد الشيخة حسينة واجد) باستلام السلطة ونقلها إلى باكستان الشرقية (بنغلادش)، وهو ما رفضته المؤسّستان السياسية والعسكرية في إسلام أباد. واندلعت مظاهرات قوية في باكستان الشرقية احتجاجاً على رفض قادة باكستان الغربية الاعتراف بنتائج الانتخابات وتسليم السلطة لـ "عوامي". ومع ازدياد حدّة المظاهرات، أدخلت إسلام أباد الجيش في المعادلة، فاستخدم القمع العنيف للقضاء على الاحتجاجات في عملية عسكرية أطلق عليها اسم "عملية البحث الضوئي" في مارس/ آذار 1971. ردّت باكستان الشرقية بإعلان حرب التحرير، وقد شارك فيها جيش التحرير المكوّن من مدنيين وعسكريين بنغاليين، ومع تفاقم الأوضاع، تدخّلت الهند لصالح باكستان الشرقية. واستمرّت الحرب حتى 16 من ديسمبر/ كانون الأوّل 1971، عندما استسلم الجيش الباكستاني، ما أسفر عن قيام دولة بنغلادش المستقلة. وكتب عالم الاجتماع الهندي أمارتيا سن أنّ الشرقيين أرادوا الانفصال لأسباب وثيقة الارتباط باللغة والأدب (لا سيما مكانة لغتهم الأم البنغالية) كما بأولويات سياسية، بما فيها أولويات علمانية.
الولادة السياسية
في 10 إبريل/ نيسان عام 1971، اختار نواب البرلمان غيابيّاً مجيب الرحمن رئيساً لأوّل حكومة للجمهورية الجديدة، حيث كان الرحمن آنذاك مُعتقلاً، قبل أن تطلق السلطات الباكستانية سراحه أواخر عام 1972 بفعل الضغوط الدولية. وأدّى اليمين الدستورية مطلع عام 1973 رئيساً للوزراء، وفي العام نفسه، حصلت "رابطة عوامي" برئاسته على 73% من الأصوات في انتخابات المجلس النيابي/ جانيفا سانغ ساد، أي على 292 مقعداً من أصل 300 مقعد. وفي 15 يناير/ كانون الثاني 1974، انتُخب مجيب الرحمن رئيساً للجمهورية، لكن الديمقراطية الوليدة سُرعان ما تعرّضت للانتهاك، ففي يناير/ كانون الثاني 1975، فرض مجيب الرحمن حالة طوارئ، ثم عدّل الدستور بتغيير النظام السياسي من نظام برلماني إلى رئاسي، وحلّ الأحزاب السياسية في البلاد، مكتفياً بحزبه الذي أطلق عليه اسماً جديداً: رابطة بنغلادش.
ومع تزايد قبضته على الحكم فردياً، بدأت شعبيته تتراجع بحدّة في أوساط المجتمع والمؤسّسة العسكرية، ثم زاد نفور الجيش منه بعد تشكيل قوّة عسكرية خاصة به أطلق عليها اسم "واكي باهيتي". وهكذا، اجتمعت عوامل عدّة لإنهاء حكم مجيب الرحمن: الضائقة الاقتصادية، المجاعة، أعاصير ألحقت أضراراً كبيرة باقتصاد السكان، انتشار الفساد، قبضة فردية على الحكم.
تميّزت الأحزاب السياسية في بنغلادش بغلبة الطابع التقليدي والروابط العائلية
في صباح 15 أغسطس/ آب عام 1975، اقتحم أفراد من الجيش المقرّ الرئاسي لمجيب الرحمن، واغتيل مع أفراد عائلته، باستثناء الشيخة حسينة وأختها والشيخة ريحانة، حيث كانتا تدرسان في لندن. تولى وزير التجارة خندكر مشتاق أحمد السلطة على الفور، وأعلن نفسه رئيساً لحكومة مؤقّتة من 15 أغسطس/ آب إلى 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1975، قبل أن يخلفه رئيس القضاة أبو سادات محمد صائم، ثم ضياء الرحمن رئيساً للجمهورية بين عامي 1977 ـ 1981، أسّس خلالها حزب "جاكودال/ بنغلادش الوطني". وفي محاولة لتعزيز تحكمّه بالمؤسسة العسكرية، دعم ضياء الرحمن الضباط العسكريين العائدين من باكستان على حساب الضباط المحليين، فعيّن الجنرال حسين محمد إرشاد قائداً للجيش. ونظّم العقيد مُطير رحمن اجتماعاً مع عديدين من ضبّاط الجيش في 29 مايو/ أيار 1981، ونظموا أنفسهم في ثلاث مجموعات صباح 30 مايو/ أيار.
بدأت العملية العسكرية بقصف المبنى الذي يسكنه ضياء الرحمن قبل اقتحامه، وبعد القبض عليه بفترة وجيزة، أطلق النار على ضياء الرحمن. دخلت البلاد في حالة اضطراب عسكري وسياسي، لكن الجنرال حسين محمد إرشاد نجح في إجراء انقلاب عسكري وسيطر على البلاد حتى عام 1990 تحت راية حزبه الجديد، "الوطني البنغالي".
في هذه الأثناء (بداية الثمانينيات)، برزت سياسيّتان سيسم اسماهما تاريخ بنغلادش السياسي: خالدة ضياء (زوجة ضياء الرحمن) التي تولّت رئاسة حزب "بنغلادش الوطني"، والشيخة حسينة التي عادت إلى بنغلادش عام 1981 بعد سنوات قضتها في الهند، لتتزعم الحزب السياسي الذي كان يتزعمه والدها الشيخ مجيب الرحمن، وهو "رابطة عوامي"، ولتصبح رمزاً سياسيّاً حاملاً لواء الديمقراطية إلى جانب خالدة ضياء.
على غرار باكستان، تميّزت الأحزاب السياسية في بنغلادش بغلبة الطابع التقليدي والروابط العائلية، ورغم وجود أحزاب كثيرة في البلاد، انحصر التنافس الحزبي بين "رابطة عوامي" الممثلّة بحسينة واجد و"بنغلادش الوطني" ممثّلاً بخالدة ضياء.
وسط زحمة التنافس الشديد بين حزبي "رابطة عوامي" و"الوطني البنغالي" صعد إلى سطح الحياة السياسية البنغالية نجم جديد، حزب "الجماعة الإسلامية"؛ أكبر القوى الإسلامية وأقواها بعد تحالفه مع "الحزب الوطني". ومنذ ذلك الحين، تنامى نفوذ الجماعات البنغالية عقب انتخابات عام 1991 لتشكيل حكومة ائتلافية والتنظيمات الإسلامية على الصعيدين السياسي والشعبي. وفي 1991 جرت انتخابات برلمانية ذات تنافسية شديدة، خصوصاً بين الحزبين الرئيسيين: "رابطة عومي" و"بنغلادش الوطني" الذي فاز في الانتخابات بحصوله على 140 مقعداً من أصل 300 مقعد. ولم تسمح هذه النتيجة للحزب بتشكيل الحكومة منفرداً، فاضطر إلى التحالف مع حزب "الجماعة الإسلامية" الذي حصل على 18 مقعداً، فيما بقيت "رابطة عوامي" التي حصلت على 88 مقعداً على رأس المعارضة.
تولّت على أثر هذه الانتخابات خالدة ضياء منصب رئاسة الحكومة، لتصبح أوّل امرأة تشغل هذا المنصب في البلاد، والثانية على مستوى العالم الإسلامي (بينظير بوتو 1988 ـ 1990). وفور تسلّمها السلطة، وضعت ضياء خططاً لمعالجة الفقر وتزايد أعداد السكان وتطوير التعليم وتحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي وتنشيط الاقتصاد. نجحت رئيسة الوزراء في خفض الضرائب للملايين من صغار الفلاحين، ثم ألغت ديونهم تجاه الدولة، وحقّقت معدل نموّ عالٍ بلغ 5%. وكان هذا التحسّن على المستوى الاقتصادي معزولاً على المستوى السياسي، حيث استمرّ التوتّر بين الحكومة والمعارضة، حتى وصل الأمر إلى استقالة جماعية لنواب في البرلمان عام 1994، انتهت بموافقة ضياء على تشكيل حكومة تصريف أعمال برئاسة القاضي حبيب الرحمن.
نجحت الشيخة حسينة في تحقيق إنجاز كبير تمثّل بعقد اتفاق مع زعيم متمرّدي كاكما لإعادة السلام في وادي شيتا غونج بعد 20 عاماً من القتال
كانت المهمّة الرئيسية للحكومة الجديدة تولي مسؤولية إجراء انتخابات جديدة في يونيو/ حزيران عام 1996، انتهت بفوز "رابطة عوامي" بزعامة الشيخة حسينة وحصولها على 146 مقعداً، مقابل 116 لحزب خالدة ضياء، فشكلت حسينة حكومة ائتلافية بمشاركة من حزب "الشعب" الذي يمتلك 12 مقعداً برلمانياً. وقد نجحت الشيحة حسينة في تحقيق إنجاز كبير تمثّل بعقد اتفاق مع زعيم متمردي كاكما لإعادة السلام في وادي شيتا غونج بعد 20 عاماً من القتال. وفي انتخابات 2001 عاد "بنغلادش الوطني" بزعامة خالدة ضياء إلى رئاسة الحكومة بفوزها وحصولها على 199 مقعداً، مقابل حصول "رابطة عوامي" على 58 مقعداً.
وعلى غرار ما فعل نواب المعارضة مع الشيخة حسينة في أثناء رئاستها الحكومة، عمدت الأخيرة إلى الأسلوب نفسه عام 2003، حين قرّرت عدم التعاون البرلماني مع حكومة ضياء المُتهمة من المعارضة بالفساد وعدم الكفاءة. وقد بلغ التوتر السياسي ذروته في البلاد مع اغتيال وزير المالية السابق المنتمي لـ "رابطة عوامي"، وما تبع ذلك من توافق 14 حزباً بزعامة "عوامي" على إطلاق مظاهرات تدعو إلى إسقاط حكومة ضياء. ثم عادت حسينة إلى السلطة عام 2009 عبر عملية اقتراع أشرفت عليها حكومة تسيير أعمال، وظلّت في السلطة ثلاث دورات أخرى، في سابقة من نوعها في تاريخ البلاد السياسي، آخرها فوزها في انتخابات عام 2024 بحصول حزبها "رابطة عوامي" على 224 مقعداً من أصل 300 مقعد، بينما فاز مرشّحون مستقلون بـ 62 مقعداً، معظمهم من أعضاء "رابطة عوامي" جرى دعمهم مرشّحين وهميين لإعطاء مظهر من المنافسة، لكن هذه النتائج الكبيرة كانت بسبب الانخفاض الحاد في العملية الانتخابية من الناخبين، إذ بلغت بنسبة تصويت الشعبي نحو 40% من الناخبين المؤهلين، وهذا مؤشّر على تراجع الثقة الشعبية بالنظام السياسي، وتعكس ظاهرة عدم التطابق بين نتائج الانتخابات والتأييد الشعبي. ولذلك، وبعد سبعة أشهر على إجراء الانتخابات التي حصلت فيها "رابطة عوامي" على أغلبية برلمانية كبيرة، اندلعت انتفاضة قوية ضدّ الرابطة وزعيمتها.
خلال السنوات الأخيرة شهد حكمها تغيّرات كبيرة، فقد تراجع الوضع الاقتصادي نتيجة وباء كورونا وسوء إدارة الحكومة، وتراجع أيضاً مستوى الحريات، والتنديد بنظام الحصص في التعيينات بالقطاع العام، إذ يجرى تخصيص نحو 30% من الوظائف الحكومية لأقارب أبطال الحرب الذين قاتلوا من أجل استقلال البلاد عن باكستان عام 1971. وتعالت دعوات الأوساط السياسية والشعبية المُطالبة باستقالتها، قبل أن تتطوّر الأمور إلى اندلاع تظاهراتٍ واسعة عمّت البلاد عام 2004، وهي مظاهرات تعاملت معها الشيخة حسينة باستهتارٍ كثير في البداية، والقمع في النهاية، لكن شدّة الاحتجاجات دفعت الشيخة حسينة إلى الاستقالة والهروب إلى الهند.
نتائج
منذ عودة النظام الديمقراطي عام 1991، شهدت بنغلادش نهوضاً اقتصادياً تمثّل في قطاعين أساسيين: الصناعة (الملابس الجاهزة الذي يشغل أكثر من أربعة ملايين عامل بأرباح تجاوزت 22 مليار دولار بين عامي 2015 ـ 2016، والتحويلات المالية من العمالة المؤقتة في الخارج). كما نجحت البلاد في إحراز تقدّم في إنجاز الأهداف الإنمائية للألفية، وبهذا تقدّمت على جيرانها في المؤشّرات الاجتماعية، مثل الحدّ من وفيات الأطفال والأمهات، وارتفاع متوسّط الأعمار، وتوفير التعليم، وإخراج أكثر من 25 مليون نسمة من تحت خطّ الفقر، وفقاً للبنك الدولي. وعلى المستوى السياسي، طوت بنغلادش مرحلة السيطرة العسكرية على المجال السياسي منذ 1991، ونشأ إجماع شعبي لصالح النظام البرلماني والقضاء المُستقل وحرية الصحافة.
من المؤشّرات المُقلقة لمستقبل البلاد عودة المؤسّسة العسكرية إلى المجال السياسي
ورغم هذه المنجزات، ما تزال الديمقراطية في بنغلادش تعاني مصاعب كثيرة: أولها استمرار سيطرة الحزبين الرئيسيين على الحكم، ما أنتج، مع الوقت، ظاهرة الأعيان السياسية التي تشبه ظاهرة الإقطاع السياسي في باكستان، وثانيها عدم القدرة على تطوير مؤسّسات تمثيلية راسخة وقوية من شأنها أن تنعكس إيجاباً على ديمومة الحكومة، وثالثها أن احتكار السلطة بين الأرملتين (ضياء وحسينة) ساهم في تزايد معدلات الفساد الاقتصادي والسياسي معاً، وفي تزايد القمع السياسي. على أنّ أخطر المؤشّرات المُقلقة لمستقبل البلاد السياسي يكمن في أمرين: الأوّل عودة المؤسّسة العسكرية إلى المجال السياسي، حيث عيّن الجيش حكومة مؤقتة بقيادة محمد يونس، الذي كانت تعدّه حكومة "رابطة عوامي" من المعارضين، واتهمته بالفساد قبل أن تُلغي المحكمة حكم الإدانة بحقّه عقب هروب الشيخة حسينة. ومع أنّ قائد الجيش الجنرال واقر الزمان قد أكد أنّ الجيش سيضمن تنفيذ مطالب المحتجين للعودة إلى الاستقرار، إلا أنّ مخاطر تدخل الجيش في السياسة قد تزداد إذا لم ينجح يونس في إعادة ترتيب البيت السياسي والاقتصادي، مستفيداً من المرحلة الجديدة المُتمثّلة بوصول شخص جديد لرئاسة الحكومة بعيداً عن الثنائي خالدة ضياء وحسينة واجد منذ عام 1991.
الأمر الثاني متعلّق بتزايد قوّة القوى الإسلامية في بلد يتسم نظامه السياسي بالعلمانية، ففي ظلّ رغبة الناخب البنغالي بتجاوز ثنائية الحزبين، قد يجد نفسه أمام خيار صعود النفوذ الإسلامي، خصوصاً حزب "الجماعة الإسلامية" المحظورة، والتي تُتوقّع عودتها إلى الساحة السياسية في حال أُجريت الانتخابات. وفي ظلّ أوضاع سياسية مضطربة، وعودة المؤسّسة العسكرية للتأثير (وإن كان تأثيراً محدوداً) وتفاقم الوضع الاقتصادي سوءاً في ظلّ وجود 1.2 مليون من روهينغا ميانمار في بنغلادش، والمعارك الدائرة التي يخوضها جيش أراكان القومي ضدّ قوات المجلس العسكري الحاكم في ميانمار، لا يبدو مستقبل البلاد السياسي واضحاً.
وستكون البلاد في فبراير/ شباط المُقبل (2026) على موعد مع انتخابات برلمانية ستكون بمثابة بوابة سياسية تاريخية لمعرفة المسار السياسي لبنغلادش، لا سيما بعد توافق النُخب السياسية على اعتماد ميثاق "يوليو الوطني"، للإصلاحات السياسية التي ستُعتمد في الدستور عقب الانتخابات المقبلة.