حق التعبير من النضال لإنهاء الاحتلال

حق التعبير من النضال لإنهاء الاحتلال

05 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

تعتبر عملية اغتيال الناشط نزار بنات، مقصودة كانت أم تمت بسبب العنف المفرط، وصمة عار على جبين القيادة الفلسطينية والمؤسسات الأمنية التابعة لها. لكن، على الرغم من بشاعة هذا الحادث، كانت المشكلة الكبرى وما زالت تعامي السلطة الفلسطينية، وبالذات الرئاسة، عما حدث، وعن سلسلة الأخطاء التي تبعت الحادث الأليم. فإذا افترضنا أنّ القوى الأمنية التي جاءت لاعتقال بنات لم يكن لديها أمر بالاغتيال (وهو ما يتوقعه الكاتب)، كون الثورة الفلسطينية معروفة بانّها غير عنيفة مع شعبها ومع معارضيها، فكان من المفترض ردّ فعل مختلف. أن يقوم الرئيس محمود عبّاس بالاتصال الشخصي بزوجة نزار بنات للتعزية، ثم الطلب من وفد عالي المستوى، قد يكون برئاسة أمين سر حركة "فتح" جبريل الرجوب، وهو من قرية دورا، للذهاب إلى منزل الفقيد وتقديم التعزية باسم الرئيس والشعب الفلسطيني، والتأكيد على ملاحقة المسؤولين عن العملية وتوقيفهم فوراً، إلى صدور نتائج التحقيق الرسمي.
لم يحدُث شيءٌ من هذا. بالعكس، فقد تم الهجوم غير المبرر على تظاهراتٍ في رام الله وغيرها، احتجت على ارتكاب الحدث الأليم الذي أدّى إلى وفاة معارض وطني. صحيحٌ أنّ سقف التظاهرات كان بالنسبة للقيادة الفلسطينية مرتفعاً، لكنّ القانون الأساسي، وهو بمثابة دستور فلسطين، يحدّد في بنده التاسع عشر أن "لا مساس بحرية الرأي، ولكلّ إنسانٍ الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن، مع مراعاة أحكام القانون". لم يحدّد القانون الأساسي، أو أيّ قانون أو نظام، منذ إقراره، أنّه يمنع التظاهر بعبارات تدعو إلى إسقاط النظام أو إلى رحيل الرئيس. قد يقول المدافعون إنّ ثمّة حالة طوارئ. وهذا صحيح في المجال الصحي، ومن المفترض أن يكون تنفيذ هذه الحالة في المفهوم الضيق، المتعلق بالأمور الصحية ذات العلاقة بكورونا. فلو كان مبرر محاولة فض التظاهرات التباعد الجسدي، لأمكن تفهمه، لكنّ التهجم على الصحافيين والمصوّرين وغضب قوى الأمن لم يكن لغياب التباعد، بل بسبب الشعارات المرفوعة، علماً أنّه لا تباعد في التظاهرات التي حدثت وتحدث، مؤيدة للرئيس والسلطة.

قرار فصل وزير الثقافة السابق "ورّط" أبو مازن شخصياً، وصعّب عليه إمكانية الخروج من المأزق الحالي، والذي يخالف أماني الشعب الفلسطيني بحرية التعبير والرأي

لكنّ هذا كلّه قد يتم فهمه على مستوى قرارات القيادات الأمنية ووزارة الداخلية ورئاسة الوزراء. أي أنّ هناك هامشاً للرئيس أبو مازن أن يتمترس وراءه، ويبقى القائد الموحّد للشعب، وليس طرفاً في هذا الأمر. انهار ذلك كله في قرار إداري، قد يعتبره بعضهم غير مهم، لكنّه أول قرار علني ورسمي يصدر عن الرئيس أبو مازن له علاقة مباشرة مع تبعات وفاة نزار بنات، فقد اتصل مكتب الرئيس بمدير المكتبة الوطنية، وزير الثقافة السابق، إيهاب بسيسو، ليبلغه بفصله من عمله، بعدما نشر الأخير تعليقاً على صفحته في "فيسبوك" بعنوان: "مجرّد ملاحظة هادئة غير سياسية في ظلّ وقت غير هادئ" تناول بهدوء الخسارة المباشرة وغير المباشرة لوفاة بنات، منهياً مداخلته بما يلي: "المستقبل يحتاج إلى العدالة والاطمئنان والضوء والحرية والحق في الحياة رغم فداحة الخسارة... انتهت الملاحظة الهادئة غير السياسية... بالإمكان استئناف الضجيج والصراخ وتبادل الاتهامات إن أردتم ...".
لست أعلم مدى تدخل الرئيس أو مشاركته في كلّ ما يجري، لكنّ قرار فصل وزير الثقافة السابق "ورّطه" شخصياً، وصعّب عليه إمكانية الخروج من المأزق الحالي، والذي يخالف أماني الشعب الفلسطيني بحرية التعبير والرأي، على الأقل من قيادته، قبل أن يطالب الفلسطينيون بحقهم في تقرير المصير.

لم يكن معظم الفلسطينيين يعرفون اسم نزار بنات، أو مواقفه، قبل ما حدث. لقد انقلب السحر على الساحر مرة أخرى

قد يقول بعضهم إنّه يجب عدم خلط الأمور بين الأمور الداخلية البسيطة والأمر الوجودي في استمرار الاحتلال. لكنّ من خلطها ليس الشعب، أو أيّ جهة معارضة، بل حاشية الرئيس من مديري أقسام أمنية وسياسية، لأوامرهم الدموية غير الديمقراطية وغيرها، الأمر الذي تطوّر في قرار بسيسو، ليكون من مكتب الرئيس نفسه.
لم يكن معظم الفلسطينيين يعرفون اسم نزار بنات، أو مواقفه، قبل ما حدث. لقد انقلب السحر على الساحر مرة أخرى. لقد بدأ المسلسل غير الديمقراطي أخيراً بإلغاءٍ غير مقنع للانتخابات النيابية والرئاسية، تحت عنوان تأجيلها، واستمر في إصدار قرار غير مبرّر لاعتقال عنيف لمعارض سياسي غير عنيف، ووفاته في حضن قوى الأمن، وانتهى الأمر بأنّ الرئيس نفسه قرر عزل مدير المكتبة الوطنية، بعد صدور تعليق هادئ منه، ومن دون إعطاء أي مبرّر آخر.
كلنا أمل في أن نتجاوز المأساة التي تمر بها القضية الفلسطينية، لكن هناك ضرورة لضمان حرية التعبير والرأي والتظاهر، بما في ذلك المطالبات مرتفعة المضمون، تبقى من أساسيات النضال الوطني. يأمل الشعب الفلسطيني بالعدالة التي تحدث عنها الكاتب إيهاب بسيسو، لنستطيع العودة إلى ذلك بأقل الخسائر، كي يتم توحيد الجهود والأهداف لما هو أمر وجودي بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية الحرّة والديمقراطية المستقلة.