حصريّة الشرق الأوسط بيد إسرائيل

18 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:37 (توقيت القدس)
+ الخط -

أثارَ جدلاً كلامُ الفنان السوريّ سلّوم حدّاد عن لغة فنّاني مصر العربيّة. ذاكَ، والأحداثُ الجارية أخيراً، دفعت كاتب هذه المقالة إلى استحضار سلّوم حدّاد في شخصيّة الزير سالم (إخراج حاتم علي، 2000)، وتحديداً حينَ "بشسعِ نعلِ كُليب" قتلَ جبيراً، الوسيطَ والمفاوض وحاقِنَ الدم في آنٍ معاً، ابنَ الحارث بن عباد، فكان ذلك إيذاناً بخسارةٍ لاحقت التغلبيين، حينَ قُرِّبَ "مربطُ النعامة" من ابن عباد، حتّى قَبِلَ التغلبيون سلاماً بلا خيولٍ لم يستطع الزيرُ، المُهَلهِلُ، استيعابه. ولا أدري من هذا الاستحضار فعلاً إن كان ذلكَ يشبه شيئاً ما في الراهن، غيرَ أنّنا نفتقد، في ما نفتقد، نعامةَ ابن عباد وأنفة الزير وحتى... جرأة جسّاس، ولا نرى إلّا سلاماً بلا خيول نطلبُه، وصارَ كثيراً علينا في رأي المجتمع الدولي.

ما زالَ يُبشِّرُ بعض العرب والفلسطينيين، "بقدرٍ إسرائيليّ لا يُرَد"، وبعبثيّة الاعتراضِ عليه (كما قال يوماً محمود درويش). أمّا الغربيّون فلم "يعضَّهم ضميرُهم" فجأةً ليعترفوا بدولةٍ فلسطينيّة، وحينَ تسألُهم شعوبهم، لو سألت، عن العدوانِ الإسرائيليّ على دولٍ مستقلّة تعترفُ بها الأمم "المتّحدة" مثلَ لبنان وسوريّة واليمن وإيران وتونس، وأخيراً قطر، فلن يجدوا جواباً إلّا التنديد، إذ إنّهم يحترفون تحريفَ "الكلِمِ عن مواضعه" والتلاعب بالصياغات والتصريحات والمواقف حينَ يكونُ القتيل عربياً، والقاتل؛ "الديمقراطيّةُ الوحيدة" في الشّرق الأوسط التي تمدُّ أياديها مناطقَ نفوذ وسيطرة، وتعملُ (لا تحلُمُ) على كسبِ المزيد، وباتت تعبّر عن ذلك صراحةً و"وقاحةً".

"اجتُرحَ" (والاجتراحُ لا يكونُ إلّا للسوء) مصطلح حصريّة السلاح بيد الدولة في ما يخصّ لبنان، البلد الذي تحاول أميركا ومن أمامها "إسرائيل" جرّه إلى حربٍ أهليّة أخرى، بحيثُ تقتتل طوائفه وتفتتح طريقاً للجنود الإسرائيليين نحو بيروت مرّة أخرى، وفي ما يخصُّ فلسطين وغزّة، وحتّى إنّ الفلسطينيين أصبحوا يطالبون بدولةٍ منزوعة السلاح، وفي ما يخصّ العراق الذي فتّته أميركا. وفي جهةٍ ليست مقابلة، بل على مسافة بضعة كيلومتراتٍ فحسب، تعمل أميركا وإسرائيل على حصريّة الدولة بيد السلاح ضمنياً، هذا السلاح الذي تمثله مليشيات انفصاليّة تطالب بتقسيم الأرض السوريّة، والتحالف مع القتلة، وعلى جهاتٍ أبعدَ قليلاً دعمت وتدعم أميركا وإسرائيل نفسهما مليشيات وانفصالاتٍ وانقساماتٍ فتّت دولاً وأودت بحياة الملايين.

ما يحدثُ لم يعد بالإمكان تسميته "ازدواجيّة معايير"، إنما علينا أن نجدَ مصطلحاً أكثر دقّة يعبّر عن "وقاحة" أميركا في التعامل مع هذا الشرق الأوسط، الذي يجري حصره بيد إسرائيل، والذي هو بالأساس مَن يعطي وأعطى الباب والطريق ليُتَحَكّم فيه، وللعرب (والمسلمين) تاريخ عظيم في استقدام المحتلِّ، منذُ عمِّنا سيف بن ذي يزن، ولهم صولاتٌ وجولاتٌ في تقتيل وتفتيت وجهاد بعضهم البعض، مقابل "صبرٍ استراتيجيّ" مع أعدائهم واضحي العِداء.

بعد نحو سنتَين من إبادة البشر والحجر، "يخترع" نتنياهو قصّة احتلال غزّة كأنّه طوال العامين الماضيَين كانَ "يلعبُ" وجيشُهُ على حدودها!

تبدو الصورة اليوم أكثر يأساً وإحباطاً في مجملها، أمام نتنياهو وهو يلهو بالعالم بطرفِ إصبعه، بل يلهو بعالمٍ ارتضاه لنفسه. وها هو بعد نحو سنتَين من إبادة البشر والحجر، "يخترع" قصّة احتلال غزّة كأنّه طوال العامين الماضيَين كانَ "يلعبُ" وجيشُهُ على حدودها، أمّا حركة حماس فأظنّها باتت تعلم تماماً أنّه لم يعد ثمّة ما يمكن التفاوض عليه، وأنّ عليها اتّخاذ قرار بشجاعة قرار ياسر عرفات يومَ خَرَج (أو أُخرِجَ) من بيروت. أحزنُ حالياً علينا جداً، وتحديداً على أولئك الذينَ يموتونَ دونَ أن نعرف أسماءهم، دونَ أن نشارك صورهم ووصاياهم دليلَ عجزٍ وخذلان مدقعَين، دونَ أن تأتي أخبارُ موتهم (استشهادهم) عاجلة في تدفق الأخبار الذي لا ينتهي، أحزنُ عليهم إذ لم يأخذوا حظّهم من "الحزن"، و"الشفقة" غير المجديتَين، ولم يأخذوا ربما وقتهم لكتابة وصاياهم، وكانوا عاديين ربّما... وكانوا حريصين على خصوصيّة المأساة؛ أن تتحوّل قصصهم مادّة صحافية أو دعائيّة، وكانوا لا يريدون ضجّة في حياتهم ولا في مماتهم، وكانوا ربّما استسلموا أو قاوموا بما استطاعوا دونَ فائض بطولة، ولا تنظير سخيف، وكانوا (...).

لعلّ حكمةً ما في "الهزيمة". من الجيّد أحياناً أن نعترف أنّنا هُزمنا، وكانَ من الطبيعيّ أن نهزَم... إذ تقاتِل قلّة عزلاء جيشاً جراراً، وإذ تتفرّج وتشمت وتكتب البيانات الكثرة التي فيها صلات الدم واللغة والدين والوطن. وإنّ لنا كلّنا الهزيمة لا لهم، ولنا تبعاتها تطاول كلّ واحدٍ منّا أفراداً ودولاً. لكن علينا أن نحترم حقّ الإنسان... بالاستسلام، وأن نقيه من الأسْطرة، في لحظةٍ فاصلة من حياته حينَ يتهاوى مثلّ زجاج... ماذا نفعل لنوقف الإبادة عنّا؟... لا أعرف... لذا؛ ربما آنَ أوان اتّخاذ قرارات أخرى غير متوقّعة، قرارات تبدو في ظاهرها هزيمةً نكراء للفرد والجماعة، لكنّ جرأة اتخاذها بجرأة القفز في وجه دبابة، علينا أن نتعلم متى نتوقّف، وما حدودُ ذلك... لأنّ هذه إبادة حرفيّة وهي إلى تصاعُد متوحّش سينتهي بالفلسطينيين إلى خارج الجغرافيا الفلسطينيّة... وإنّ هذا التوحش لن يتوقف، وإنّ أحداً لن يتدخّل... وعلينا (أعني الفلسطينيين) الآن تماماً... اتّخاذ قرارات قاسية.

منذُ قرار تقسيم فلسطين (181) عام 1947، والعالم نفسه ومؤسّساته نفسها تكذبُ نفس الكذبة التي تتقلّص باستمرار، وكلُّ تقلّص هو توسّع "إسرائيليّ" في أرضِ الفلسطينيين ودمهم

تبدو منفصلة عن الواقع تماماً بيانات الخارجيّة الفلسطينيّة، وهي تعلّق على زيارة رئيس الكونغرس الأميركي إلى المستوطنات الإسرائيليّة في الضفة الغربيّة بأنّ ذلك "يقوّض جهود السلام، ويسيء إلى صورة الولايات المتّحدة الأميركيّة (كـوسيط نزيه)"، ومثلها بياناتُ حماس التي باتت مستفزّة للمجوّعين والمقتّلين والنازحين، وفوق هذا، فلا يعني الفلسطينيين كثيراً ذاك الاعتراف المتأخر بـ"دولتهم"، (ومن الجيِّد أنّني لستُ ناطقاً باسمهم بكل الأحوال)، لكن منذُ قرار تقسيم فلسطين (181) عام 1947، والعالم نفسه ومؤسّساته نفسها تكذبُ نفس الكذبة التي تتقلّص باستمرار، وكلُّ تقلّص هو توسّع "إسرائيليّ" في أرضِ الفلسطينيين ودمهم، وإنّ الدول توجد على الأرض، وإنّه ليسَ من شروط قيام الدولة لا تاريخياً ولا قانونياً اعترافُ الأمم "المتّحدة" منتهية الصلاحيّة والهدف بها، وقد أثبتت نظرياً وعملياً لا فشلها فحسب، بل تثبتُ البشريّة عموماً أنّ مصطلحاتٍ مثل ديمقراطيّة ودبلوماسيّة وسلام وحوار هي أدواتُ الضعفاء يواسونَ بها نفوسهم (تشبه إلى حدٍ ما أفكار نيتشه عن الأخلاق)، ومثلما أنّ ثمّة أخلاق عبيد وسادة، فثمّة أيضاً دبلوماسيّة مقابل حسم عسكريّ، وثمّة قوّة الذي فوق القوانين كلّها يفرضها على الضعيف. لذا؛ فلا أرى "نصراً" في هذا الاعتراف.

والآن؛ لتبحث هذه الدول كلّها، بما فيها الفلسطينيون، عن آليّة لتطبيق اعترافهم ليكون ذا معنى، فمن سيقنع "نتنياهو" الذي ابتلع الأرض والإنسان وهدّم غزة ومخيّمات الضفة المقطّعة بالبوابات... ومن يقنع أكثر من ثلثي سكان "كيان" الاحتلال ومسؤوليه ومستوطنيه الذين يؤيّدون قصف أيّ عاصمة عربيّة بأن يُخلو أكثر من مليون مستوطن من الضفة الغربية، ومنَ يقنعهم...؟ وهو لا يستطيع إقناعهم بإدخال شربة ماء إلى غزّة، أو السماح لصحافة دولية بالدخول لمزيدٍ من التوثيق للمجازر فحسب، وهم يقولون صراحةً أنْ لا دولة فلسطينيّة. قد أبدو قاتماً ومحبَطاً أكثر من اللازم، وأنّني لا أقدم حلولاً ومنطقاً ولا بديلاً ولا حتّى تصوّراً لشكل مواجهة هذا الجنون كلّه، وقد يبدو هذا "المقال" كأنّه يشبه الفيلم المصريّ الشهير؛ "سمك لبن تمر هندي" (1988)، لكنّه الشعور بالعجز والعار وثقل الصّمت، وخوفٌ من أنْ يصبح مصيرنا، "حياة" ليحْسِدُ فيها الحيُّ الميِّتَ أنّه مات.

مهند ذويب
مهنّد ذويب
كاتب وصحفي فلسطيني في الرباط.