حسني سليمان... وشغف الجري وراء الكتابة
فور أن قالوا لي إن هناك ذلك الرجل الجميل، الناشر حسني سليمان العائد من السويد بعد سنوات، يسأل عنك، اندهشت. قال لي هذه العبارة الشاعر والمترجم الراحل محمد عيد إبراهيم في مقهى زهرة البستان، وبعدما لاحظ اندهاشي ذكر أن "الكاتب بهاء طاهر، يا عبيط، في إجازته قد أوصى عليك، لأنه يقرأ قصصك في صحيفة القدس العربي بلندن"، فازداد اندهاشي، لأنه لا تربطني أيّ صلة بالراحل بهاء طاهر سوى محبّتي كتاباته، وخصوصاً "بالأمس حلمت بك".
لم تكن لي ساعتها أيّ كتب منشورة، حتى كدت أن أصل إلى مشارف الأربعين، وقد كان المرحوم أيضاً الكاتب سعيد الكفراوي يتندر ضاحكاً على حالي، ويقول لي: "أنت خلاص يا حكيم بقيت فرحان بالنشر الكتير ده يا ولد وفرحان بالفلوس، اجري يا حبيبي اعمل لك كتاب، الكتاب عكاز يا حكيم".
دخلت على عمّ حسني في دار شرقيات بمجموعتين قصصيَّتَيْن، كان الرجل يشبه، إلى حدّ كبير، الجواهرجي الأنيق جدّاً والهادئ جدّاً والطيّب، كان رجلاً طيّباً يبحث من خلال الكتابة عن شيء ثمين حُرم منه، علّه كان في غربته يتحنّث للكتابة ولم ينلها، أو علّه نالها وداراها حياء.
تناول مني المجموعتَيْن وأحضر نظّارة القراءة، وكل آنٍ، وهو يقرأ، يسألني سؤالاً ما في النحو أو حول أحوالي، وفي النهاية ابتسم تلك الابتسامة الجميلة قائلاً: "عدّي عليّ كمان أسبوعين". كنت متشكّكاً في الأمر كلّه، وشبه زاهد في الأمر كلّه، وليس لديَّ أيُّ يقين من أيِّ شيء، فما بالك بناشر عائد من السويد!
قابلته بعد أسبوعَيْن، فإذا به يخرج من حقيبته الجلدية السوداء عقد نشر مجموعتي القصصية الأولى "صيّاد في خص"، ويبتسم ابتسامته الجميلة ويقول: "وقّع هنا يا جميل"، ويناولني 250 جنيهاً عربوناً. خرجت مجموعتي الأولى بعد شهور قليلة، وإذا بالكتابات النقدية تنهال عليّ من كل أقطار الوطن العربي، وخصوصاً بعد مقال الناقد الكبير فاروق عبد القادر (الراحل أيضاً) في مجلة روزاليوسف، ويترجم المترجم والناشر هشام قاسم، أعاده الله إلى بلده سالماً، عشرين قصّةً من المجموعة إلى الإنكليزية، ولم أره قبل ذلك، فكيف اجتمع هؤلاء كلّهم معي في أسابيع قليلة؟
ومن ساعتها، وأنا على يقين من أن الطيّبين في الأرض هم وعد لك في وقت الضرورة، دار رأسي بي وكأنني في حلم، وخاصّةً أنني من النوع الذي لا يتوقّع النجاح السريع الذي يأتي هكذا في شهور، وعمري يقترب من الأربعين، وليس لي أيُّ سند في القاهرة ولا حتى أقارب، وليس لي علاقة لا بأحزاب ولا ساسة ولا كبار من أيِّ نوع كان، وكأنني ساعتها كنت أتشكّك في الأمر برمّته، وكأنّ ما يحدث كان يحدث لشخص آخر غيري، فأنا شغوف جدّاً بالجري وراء الكتابة، والصبر على حظوظها القليلة من الحظوة في أيِّ وقت، وأتشكّك حتى في الثناء على الكتابة. أنا شغوف بالتعب وراءها حتى وإن لم أنل منها إلا القليل، بي بعض أمراض الجاحظ والتوحيدي، من دون أن أكونهما أو حتى أحوز من بركتيهما درهماً.
شغوفٌ بالتعب مع الكتابة وليس بالجلوس أسفل أشجار حديقتها، شغوفٌ بعدم الثقة وليس بيقين الحسن والتمام، شغوف بالهامش الخائب النحيل وليس بالمتن الذي يُكرِّس له النقد نظرياته وكتبه. أحبّ الجري وراء الكتابة، وليس أن أنام في ظلالها، وإلى الآن، بعد أن توالت كتبي، ما زالت هذه الخصلة فيَّ، وهي نسيان ما تمّ برمّته، بل أحياناً أخجل من ذكره، وأنظر فقط إلى ما أنوي أن أجري وراءه من كتابة.
أحبّ ظلال النجاح ولا أحب التمتّع بثناء النجاح، أحبّ الهامش السخيِّ والشجيِّ، ولا أحبّ المتن الصاخب الذي يخيفني من بعيد، وأشفق أحياناً على أصحابه، وخصوصاً لو كان أصحابه من أبناء الطواويس، ولذا أحبّ هدوء نجيب محفوظ وسكونه، أحبّ تعب الجري وراءها، وفور أن أنالها أنساها وأحياناً أهجرها في أوراقي، أحبّ المشي خلفها ولا أحبّ تمام إنجازها حتى وإن كان مبهراً.
أحبّ ضبابيتها وهي تتناوش معي من بعيد ولا أحبّها مسلسلة في الورق بمخالب أقلامي، أحبّها متحنّثاً ولا أحبّها بعدما صارت قنيصةً، أحبّها مخاتلةً هناك، أحبّها طيفاً محبوباً في مكان استحالته، ولا أحبّها هدية حبيبة ما بين أصابعي، وقد استهلكتني بالفساتين وأدوات المكياج، أحبّها كظمأ ولا أحبّها كماء زلال يجري بالقرب من أعتابي، أو كنهر صغير يمرّ من تحت سلالم بيتي.
فهل كلماتي تليق برحيلك، يا عمّ حسني، كما كنت أحبّ أن أناديك وأنا على باب "شرقيات"، رحم الله المخلصين من أهل صناعة الكتب.