حسابات عودة الحرب

17 يوليو 2026

كما كان متوقّعاً، لم يصمد التفاهم الأميركي الإيراني طويلاً في ظل التفسيرات المتضاربة لبنوده الغامضة، لتعود الأوضاع إلى الاشتعال. لكنه لا يزال اشتعالاً مضبوطاً، فالغارات الأميركية على الأهداف الإيرانية لا تزال محدودة ومدروسة، وكذلك الردود الإيرانية التي تستهدف دول الخليج، بذريعة ضرب القواعد الأميركية.

واضحٌ أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينتظر أي تدخل من الوسطاء لاستعادة الهدوء وتأمين فتح مضيق هرمز، وهو ما يقابله تعنّتٌ إيراني يعكس انقساماً في داخل الجمهورية الإسلامية بين الفريق السياسي والحرس الثوري، وهو ما سبق أن لمّح إليه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ولكن لا يبدو أن هذا الانتظار سيؤدّي إلى النتيجة المرجوّة في ظل عجز الوسطاء عن الوصول إلى أرضية مشتركة لإعادة العمل بمذكرة التفاهم، أو حسم الأمور في ما يتعلق بمضيق هرمز.

قد لا يطول الوقت كثيراً قبل عودة الحرب إلى النقطة التي بدأت منها، وبالتالي دخول إسرائيل مجدّداً على خط المعركة. كان التوقّع سابقاً أن ترامب يريد تمرير مونديال كأس العالم لكرة القدم الذي تستضيفه الولايات المتحدة، ومعه الذكرى 250 لاستقلال أميركا، إضافة إلى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. لكن حسابات الميدان يبدو أنها لا تتوافق مع رغبات الرئيس الأميركي. وبالتالي، أقصى ما يمكن انتظاره اليوم هو نهاية كأس العالم الأحد المقبل.

إيران، من جهتها، أو الطرف القابض على الزناد في طهران، قرأ بدقة هذه الحسابات الأميركية، ويعمل على أساسها. فأصحاب القرار في إيران اليوم يستعجلون جني مكاسب الحرب وتثبيت أمر واقع، تحديداً في ما يخص مضيق هرمز الذي لن يعود التعاطي معه كما كان سابقاً. هناك قناعة لدى المسؤولين في إيران بأن الجمهورية الإسلامية كسبت هذه الجولة من الحرب، وبالتالي من حقها فرض إملاءات على الطرف الآخر.

وبغض النظر عما يردده الرئيس الأميركي عن هزيمة إيران في الجولة السابقة، فإن القوات المسلحة الإيرانية أظهرت أنها لا تزال قادرة على التحكم بمسار الملاحة في مضيق هرمز، والرد على الهجمات الأميركية في الوقت نفسه، وهو ما بات يؤكده الإعلام الأميركي، مكذباً كل ما يقوله ترامب.

وبين الحسابات الأميركية والإيرانية، تبرز أيضاً حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فالأخير متحمس جداً للانضمام إلى المعركة، وإطلاق جولة جديدة من الحرب، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.

وأكثر ما يثير حماسة نتنياهو هو إعادة فتح الجبهة اللبنانية، باعتبار أن حزب الله هو التهديد الوجودي الأساس لإسرائيل والخطر الأقرب على دولة الاحتلال، وهو ما يستطيع تسويقه داخلياً كإنجاز يساعده في معركته الانتخابية. غير أن هذه الحماسة تصطدم الآن بالمفاوضات الإسرائيلية اللبنانية، والتي تحظى بدعم كبير من الرئيس الأميركي.

ورغم أن نتنياهو مدرك أن هذه المفاوضات لن توصل إلى الأهداف التي تريدها إسرائيل، إلا أنه لا يستطيع التنصل منها خشية خلق مزيد من الاضطرابات في العلاقة مع ترامب.

الفرصة التي ينتظرها نتنياهو اليوم هي الطلب الأميركي من إسرائيل الدخول المباشر على خط الحرب مع إيران، في حال قررت الولايات المتحدة فتح الجبهة على مصراعيها. وهو الأمر الذي قد يدفع حزب الله إلى إعادة فتح جبهة الإسناد من الساحة اللبنانية، ما يعني إطلاق يد إسرائيل في لبنان.

حسابات كثيرة اليوم لدى جميع أطراف الحرب، وكلها متوقفة عند التطورات التي قد تشهدها الأيام المقبلة، فإما عودة الحرب بشكل كامل، وهي ستكون أعنف بكثير من الجولة الأولى، أو نجاح الوساطات في تأجيل الانفجار الجديد.

حسام كنفاني
حسام كنفاني
صحافي لبناني، يشغل حاليًا منصب مدير قطاع الإعلام في فضاءات ميديا، له منشورات في عدّة صحف لبنانية وعربية. يعمل في مجال الصحافة منذ أكثر من 25 عامًا، وهو من مؤسّسي موقع وصحيفة "العربي الجديد".