حزب الله وورطة المفاوضات مع إسرائيل

16 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

قد يتساءل المرء كيف لدولةٍ، مثل لبنان، أن تغوص في مفاوضاتٍ مع إسرائيل التي لا تعترف بها، كونها مغتصبة لأرض الشعب الفلسطيني ووطنه، من أجل أن ترسم حدودها معها. وما الضرورة أو الفائدة في ذلك، طالما أن سلطتها عاجزة، وحكومتها مستقيلة، واقتصادها منهار، ومؤسساتها معطلة، وطبقتها السياسية المتحكمة فاسدة وفاجرة، تمارس النهب المنظم منذ عقود، ولم تعد تحظى بثقة أكثرية شعبها، وبالتالي غير قادرة على فرض شروطها، وبالأخص عندما يكون قرار الدولة اللبنانية مخطوفا يتحكّم به تنظيم مسلح يتلقى أوامره من دولة خارجية وغير عربية.
بعد احتلال دام أكثر من عشرين سنة لجنوب لبنان، اضطرت إسرائيل للانسحاب في ربيع عام 2000، وتم على إثرها ترسيم حدود غير نهائية بين الدولتين، عبر خط بري سمي "خط هوف" الأزرق الذي تم اعتماده بوساطة أميركية. ثم كانت حرب تموز 2006 التي تورّط بها حزب الله، وورّط لبنان، لكي يعيد خلط الأوراق، ويخفف الضغط الداخلي عنه، ويتقدم لملء الفراغ الذي خلفه اغتيال رفيق الحريري في 2005، واضطرار حليفه بشار الأسد إلى سحب جيشه من لبنان. واستمر أمين عام الحزب، حسن نصرالله، في محاولته الإمساك بالقرار الداخلي بعد أن اكتسحت قوى 14 آذار الانتخابات البرلمانية في ربيع 2005، فاحتلّ الوسط التجاري لبيروت، في نهاية عام 2006، وحاصر السراي الحكومي سنة ونصف السنة، من دون أن يتمكّن من أن يفرض تعديلا في موازين القوى. عندها لجأ إلى السلاح، وغزا في 7 مايو/ أيار 2008 بيروت، وتمكّن من فرض واقع جديد على الأرض، أدى إلى إرغام قوى 14 آذار على القبول بتسوية الدوحة التي منحته "الثلث المعطل" (الثلث زائد واحد) من عدد الوزراء، ما يمكنه من تعطيل الحكومة ساعة يشاء. ومع ذلك، لم يتمكّن من عام 2009 من انتزاع الأكثرية النيابية للمرة الثانية على التوالي، وبقيت بالتالي الأجواء مشحونةً وحذرة، مع اشتداد الضغوط الأميركية والإسرائيلية، إلى أن بادر رئيس مجلس النواب، وزعيم حركة أمل، نبيه برّي، خلال عام 2010، وبموافقة حزب الله بطبيعة الحال، إلى وضع يده على ملف ترسيم الحدود البحرية، ملاقيا في منتصف الطريق واشنطن التي كانت تمارس ضغوطا مستمرّة من أجل تحقيق رغبة إسرائيل، التي يعني الترسيم عمليا بالنسبة لها اعترافا بحدودها وتسليما بوجودها. ومرّت الاتصالات والمفاوضات غير المباشرة في مراحل متقطعة، طوال فترة إدارة أوباما، تبعا للتطورات الداخلية والإقليمية التي شهدت، في السنوات الخمس الأخيرة، نموا متصاعدا للدور الإيراني، وتمدّدا لنفود الملالي في المنطقة، وخصوصا في سورية والعراق، بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران صيف 2015، وبقيت مسألة ترسيم الحدود ورقةً في يد الطرفين الشيعيين (وليس في يد الدولة) يعيدان تحريكها عندما تضيق فيهما السبل.

تمت ملاحقة واعتقال أكثر من رجل أعمال لبناني في مختلف أنحاء العالم يقوم بتمويل أو على علاقة ما بحزب الله

ضاعف دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض نهاية عام 2016 من الضغوط الأميركية على لبنان، وخصوصا بعدما تمكّن حزب الله من فرض ميشال عون رئيسا للجمهورية، قبل أسبوع واحد من فوز الملياردير الجمهوري بالرئاسة، وتحوّله هدفا رئيسيا لسهام الإدارة الأميركية الجديدة التي أعلنت أن هدفها الرئيسي في المنطقة ليس إسقاط بشار الأسد، وإنما تطويع إيران ولي أذرعها المسلحة المتمدّدة في العمق العربي، وتحديدا حزب الله، وإعادتها إلى داخل حدودها. وأعلن ترامب رفضه الاتفاق النووي، وراح الحصار الاقتصادي يشتد على إيران والعقوبات تنهال على حزب الله، وتم إقفال (وتصفية) مصرفين لبنانيين، اتهما بتمويل عمليات مصرفية لحساب الحزب أو تسهيلها، وتمت ملاحقة واعتقال أكثر من رجل أعمال لبناني في مختلف أنحاء العالم يقوم بتمويل أو على علاقة ما بحزب الله، آخرهم قاسم تاج الدين الذي اعتقل في المغرب قبل ثلاث سنوات، وتم تسليمه إلى أميركا التي أطلقت سراحه في يوليو/ تموز الماضي. في هذه الأثناء، بدأ برّي بتحريك ملف المفاوضات لترسيم الحدود، مستقبلا مبعوثا أميركيا تلو الآخر، فكانت لقاءاتٍ ظاهرها يبحث في الوضع الداخلي والتدهور الاقتصادي وأزمة الحكومة، وجوهرها كيف ومتى الجلوس على طاولة المفاوضات مع إسرائيل لتخفيف الضغط عن حزب الله، فيما كان هو يسعى إلى التجييش داخليا حول اتهام الآخرين بالفساد، لكي يقطع الطريق على أي مزايدة أو إحراج في ملف التفاوض.

جاء اغتيال قاسم سليماني ضربة قاصمة، لتسرع في إخراج المباحثات اللبنانية مع الأميركان من الكواليس

لم تتمهل إدارة ترامب في تكثيف الرسائل المهدّدة عبر فرض عقوبات على قياديين في حزب الله، وفي مقدمهم نصرالله نفسه، ثم جاءت ضربة اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، القاصمة، في بغداد، لتسرع في إخراج العملية من الكواليس، وإعلان برّي رسميا عن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول آلية للتفاوض. كان من المفترض أن تبقى ورقة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في يد طهران، إلى أن يحين وقت الجلوس على طاولة المفاوضات مع واشنطن، غير أن ترامب لم يترك متسعا من الوقت للمناورة مقابل مخاوف طهران من حظوظ ترامب الجدّية في العودة إلى البيت الأبيض، فجاء إعلان رئيس المجلس النيابي عن إطار للمفاوضات مع إسرائيل، وآليتها وموعدها، في 14 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة أميركية، أي قبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد الانتخابات الأميركية، غير أن المفاجأة حملت، كما هو ظاهر، خصم ترامب إلى البيت الأبيض. وانطلق التمهيد والتحضير من "الثنائي الشيعي" الذي اضطر أن يقوم بحملة شرح وإقناع وتبرير لهذه الخطوة، خصوصا وأنه مارس عملية اقتحام وتعدّ، قام بها برّي نفسه على ملفٍّ، هو من صلاحيات رئيس الجمهورية بحسب الدستور اللبناني، وليس من صلاحيات رئيس المجلس النيابي، فالتفاوض وعقد المعاهدات من صلاحية رئيس الجمهورية الذي، حتى وإن كان موافقا، لا يسعه إلا أن يتمسّك بصلاحياته، وهو كان فعليا قد حضّر نفسه، وكوّن فريقه للتفاوض، متناغما مع توجه الإدارة الأميركية، ما أدّى إلى إشكالات مع الفريق الشيعي، وإلى خلافات داخل الفريق الرئاسي نفسه، إذ كان رئيس التيار العوني، جبران باسيل، وهو صهر الرئيس، يريد أن يبعث رسائل طمأنة إلى واشنطن وتل أبيب، صونا لحظوظه الرئاسية المقبلة عام 2022، ولم يكن يعلم أن واشنطن كانت جادّة وحاسمة في إطباق سيف العقوبات عليه، بعد 48 ساعة فقط على إقفال صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة الأميركية، وقبل انقشاع غبار حدّة المواجهة بين المرشحيْن، ترامب وبايدن!

يصر نصرالله على أن عملية تفاوض غير مباشرة، فيما الوفدان يجلسان وجها لوجه، وتناولا الغداء بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بدعوة من الأمم المتحدة!

وفي المقابل، اضطر برّي إلى التراجع خطوة إلى الوراء، تاركا للرئيس عون صلاحية تشكيل الوفد إنقاذا لماء الوجه بين الحلفاء اللدودين. ولكن المفارقة الأخطر والأهم أن الثنائي الشيعي اضطر إلى خوض معركة قاسية لإقناع اللبنانيين، وتحديدا جمهوره، بأن إطلاق المفاوضات مع إسرائيل مجرد عملية حسابية جغرافية لترسيم الحدود، ولا علاقة لها بالاعتراف بإسرائيل، ولا حتى بالتطبيع معها، لا بل أكثر من ذلك، يصرّ نصرالله تحديدا على التأكيد أنها عملية تفاوض غير مباشرة، في حين أن الوفدين، اللبناني والإسرائيلي، يجلسان في قاعة واحدة وجها لوجه، وتناولا معا الغداء بعد انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات، بدعوة من الأمم المتحدة؟! وهكذا وجد حزب الله نفسه في محاولة يائسة أشبه بورطة لإقناع جمهوره بصحة ما برح عقودا يعبئهم ضده، وكأن استبدال كلمة إسرائيل بمصطلح كيان العدو يجعل التفاوض محللا لمن شيطنه وشعوذه!