حزب الله ومأزق فائض القوة

حزب الله ومأزق فائض القوة

21 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

يتصاعد نفوذ حزب الله في لبنان منذ أكثر من عقد إلى أن أصبح، في السنوات الأخيرة، الآمر الناهي. يقرّر السياسات ويشكل الحكومات ويركّب التحالفات، إلى درجة أن الجميع باتوا يهابونه ويخطبون ودّه ورضاه، إلى أن أصبح المرجعية في كل شيء.

أطل أمين عام الحزب منذ نحو ثلاثين سنة، حسن نصر الله، قبل أيام، ليشرح أسباب أحداث دوار الطيونة الذي يقع على تقاطع بين منطقتين في بيروت، مسيحية وإسلامية شيعية، شهدتا خلال الحرب الأهلية (1975 - 1990) قتالا واقتتالا لا تزال مفاعيله ورواسبه المادّية والنفسية ماثلة، والتي كادت أن تشعل مجدّدا الحرب الأهلية. تكلم نصر الله عبر الشاشة نحو ساعتين، ليقول للبنانيين، وتحديدا المسيحيين، فكرة واحدة، وليصوّب على عدو واحد اسمه، سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، محمّلا إياه مسؤولية كل ما جرى، لأنه "غدّار" و"مجرم" و"قاتل"، لأنه يريد العودة إلى الحرب الأهلية وخراب لبنان وهلاك المسيحيين، وهو ينفذ أجندة أميركية - إسرائيلية - سعودية. لم يكن نصر الله مقنعا، وحجّته هذه المرّة ضعيفة ودفاتره قديمة. حاول طمأنة المسيحيين، وكان همّه ألا ينعكس الصدام الذي حصل وردّات الفعل على واقع وشعبية حليفه التيار العوني، غير أنه، في هجومه المركّز والنافر، ساهم عمليا أمس في تعويم جعجع وفي رفع أسهمه لدى قسم من المسيحيين، وكذلك لدى المسلمين السنّة، والاثنان يبحثان عمّن يقف في وجه حزب الله.

اندفع حزب الله إلى واجهة الساحة السياسية الداخلية عام 2005، على إثر الانسحاب العسكري السوري من لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري. إنه الحزب الوحيد الذي يمتلك السلاح، ويجاهر باستعماله، على الرغم من انتفاء المهمة التي أوكل نفسه لها، مع انسحاب المحتل الإسرائيلي عام 2000، علما أن اتفاق الطائف (1989) ينصّ على حلّ جميع المليشيات وتسليم أسلحتها إلى الدولة، فمن "شكرا بشار الأسد" التي أطلقها زعيمه حسن نصر الله إلى افتعال حرب تموز 2006، علما أنه كان قد أعطى وعدا للفرقاء الآخرين بأن ذلك الصيف سيكون واعدا وآمنا، ليعود ويعتذر، قائلا عبر إحدى شاشات التلفزة: "لو كنت أعلم...". وقبل ذلك، في نهاية 2005 انسحب من الحكومة التي كان يشارك فيها أول مرة على إثر اغتيال الصحافي جبران تويني، احتجاجا على قرار الحكومة طلب إنشاء محكمة دولية خاصة بلبنان للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري. اعتقد شركاؤه أن إشراكه في السلطة التنفيذية وإجلاسه على طاولة مجلس الوزراء سيدخله جنة الحكم وغرفة صنع القرار، إلا أن حسابات من خطّط لاغتيال الحريري تتخطّاه، وهي ليست فقط داخلية ومضاعفاتها الإقليمية ما زالت تتفاعل. ومن هذا المنطلق، صعّد حزب الله من وتيرة ضغطه، ودفع شارعه إلى احتلال وسط بيروت ومحاصرة الحكومة التي كان يرأسها (السني) فؤاد السنيورة وإسقاطها. المؤسسات الدستورية والقوانين لا قيمة لها بالنسبة له، هي مجرّد وسيلة يمتطيها ساعة يشاء، ثم يدوس عليها عندما لم تعد تفيده، كما يفعل هذه الأيام في قضية التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وفي لجوئه إلى الشارع وإلى السلاح لفرض إقالة القاضي الذي يتهمه بالانحياز والتسييس. هو لم يؤمن يوما بالقضاء، ومسكون بهاجس المؤامرة ومستقوٍ بالسلاح، فقد رفض، منذ البداية، إنشاء المحكمة الدولية، ورفض تسليم المتهمين لديه، كما رفض تسليم مسؤول المجموعة الذي دانته المحكمة وصدر حكم بحقه. رفض العدالة الدولية وهو اليوم يرفض العدالة اللبنانية، فهل يريد العدالة الميدانية؟

حزب الله هو الحزب الوحيد الذي يمتلك السلاح، ويجاهر باستعماله، على الرغم من انتفاء المهمة التي أوكل نفسه لها

يحاول حزب الله دائما فرض ما يريد بالقوة. سنة ونصف السنة من احتلال الوسط التجاري للعاصمة لم يمكّنه من تحقيق ما يريد، فلجأ إلى السلاح، وكانت غزوة 7 مايو/ أيار 2008 ومحاولة اقتحام الجبل التي ذهب ضحيتها عشرات القتلى، ومحاصرة سعد الحريري ووليد جنبلاط، لأن الحكومة الشرعية "تجرّأت" على نقل الضابط المسؤول عن الأمن في مطار بيروت والمقرب من حزب الله، وأيضا لأن الحكومة اتخذت قرارا بتفكيك شبكة الاتصالات السلكية غير الشرعية التي عمل حزب الله نفسه على تمديدها في مناطق نفوذه. وزادت من تجبّره التسوية التي تمكّن من فرضها مع حليفيه ميشال عون ونبيه بري في مؤتمر الدوحة (مايو/ أيار 2008) الذي منحهم حق النقض (الفيتو) داخل مجلس الوزراء عبر ما يسمّى "الثلث المعطل"، أي بثلث عدد الوزراء. بعدها وقف نصر الله تدغدغه نشوة النصر وفائض القوة يحتفل بذكرى الغزوة، ويتباهى قائلا إن "7 أيار كان يوما مجيدا"! علما أن القوة والسلاح لم يمكّناه، هو وحلفاءه، من الفوز في الانتخابات عام 2009.

وقد استعمل هذا "الثلث المعطل" لإسقاط أول حكومة يرأسها سعد الحريري عام 2010، ولم تنفع يومها وساطة عربية - تركية في ثنيه عن قلب الطاولة على الحريري، وفرض بديل له بالترهيب والقوة، عبر نشر مجموعة "القمصان السود" في محيط مبنى الحكومة ومجلس النواب، ما دفع جنبلاط إلى دعم مرشّحهم، نجيب ميقاتي، لرئاسة الحكومة، عشية اندلاع الثورة في سورية ضد نظام بشار الأسد. ثم جاء وقت رد الجميل لعون الذي أمّن لهم غطاءً مسيحيا لا يُستهان به، فمنعوا انتخاب رئيس جديد، وفرضوا فراغا في موقع رئاسة الجمهورية سنتين ونصف السنة، بين 2014 و2016، ما لم يتم انتخاب عون رئيسا، على الرغم من أنه لم يكن لديهم أكثرية نيابية، فكانت التسوية - الصفقة بين عون والحريري وحزب الله التي جاءت بعون رئيسا، وأعادت الحريري إلى رئاسة الحكومة مقابل تسليم القرار السياسي للدولة في الداخل والخارج لنصر الله، وتبعه لاحقا تغلغل حزب الله في المؤسسات العسكرية والأمنية. كما تمكّن نصر الله من فرض قانون انتخابي جديد، يؤمّن مقعدا لحليفه رئيس التيار العوني في مجلس النواب، جبران باسيل، بعدما فشل هذا الأخير مرّتين في السابق في الانتخابات، ويضمن أكثرية نيابية موالية للمحور الإيراني - السوري. وهذا ما دفع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في حينه، قاسم سليماني، أن يعلن، بكل فخر، في ربيع 2018، أنه "أصبحت لدينا أكثرية نيابية تحوز 74 نائبا في البرلمان اللبناني..."!

لجأ حزب الله إلى القوة والقمع والإرهاب في التعامل مع انتفاضةٍ عمّت لبنان، وكادت أن تطيح مجمل التركيبة السياسية

فاجأت "ثورة تشرين" (17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019) حزب الله، فوقف نصر الله مهاجماً المنتفضين في الشارع، وملصقا بهم أبشع التهم، ومدافعا عن السلطة والنظام الذي بات مُمسكا بكل مفاصله، بعدما راح عون يدافع عن سلاحه في كل مناسبة، ويتقاسم الآخرون الحصص والصفقات في داخل مجلس الوزراء وخارجه. وكالعادة، لجأ حزب الله إلى القوة والقمع والإرهاب في التعامل مع انتفاضةٍ عمّت لبنان، وكادت أن تطيح مجمل التركيبة السياسية، لولا انتشار وباء كورونا والانهيار الاقتصادي والمالي الذي شكّل المنفذ الوحيد التي تلطت وراءه الطبقة السياسية والهيئات المصرفية، وألهى الناس بلقمة عيشها، إذ فاقت نسبة اللبنانيين الذين يعيشون تحت خط الفقر، بحسب دراسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) الـ 55%.

ثم حلت كارثة تفجير المرفأ في 4 أغسطس/آب 2020 التي حصدت 220 قتيلا ودمرت نصف بيروت، والتي يخوض اليوم نصر الله معركة طمس التحقيق فيها، عبر الضغط لإقالة قاضي التحقيق طارق البيطار، علما أنه لم يتم اتهام أو استدعاء أي مسؤول من حزب الله؟! فلماذا يخاف من التحقيق؟ ولماذا تحدّى مسؤول الأمن في الحزب القضاء باقتحامه قصر العدل، وهو غير ذي صفة، وطلبه اجتماعا مع رئيس مجلس القضاء الأعلى، وتعمّده إيصال رسالة تهديد علنية وواضحة عبر إحدى الصحافيات إلى قاضي التحقيق بأن حزب الله سيقتلعه من مكانه إذا استمرّ في مساره! ومع ذلك، لم يقف في وجهه أحد، ولم يجرؤ على انتقاده أحد، فلماذا لجأ مجدّدا إلى الشارع وإلى السلاح، وكاد أن يتسبّب في صدام طائفي وحرب أهلية، بتحدّيه مشاعر أهالي منطقة معظم ساكنيها من المسيحيين الذين ما زالوا يحملون جراح الحرب الأهلية وأوزارها المادية والمعنوية والنفسية؟ أراد من مواجهة الشياح - عين الرمانة أن يُحكم قبضته على السلطة القضائية التي ما زالت الوحيدة المتفلتة من سيطرته، ولكي يحشر حزب القوات اللبنانية في الزاوية، وإذ بها تنقلب عليه، وتبدو وكأنها "لم تكن محسوبة". وثمة أسئلةٌ أخرى تعكس تحوّل فائض القوة لدى الحزب إلى مأزق، إلى سلطةٍ لم يعد يعرف كيف يوظفها، إلى حمل ثقيل.

هل يعيش حزب الله حالة قلق على المصير من وضع إقليمي متحرّك يحمل تطوّراتٍ يخشى أن تنقلب عليه، وتجعل منه كبش محرقة؟ من المفاوضات الأميركية - الإيرانية حول الاتفاق النووي إلى المفاوضات السعودية - الإيرانية، وإلى التفاهمات الروسية - التركية - الإسرائيلية - الأميركية في سورية، وفي المنطقة التي تدور بشكل أساسي حول إخراج إيران من سورية. وأخيرا مفاجأة نتائج الانتخابات العراقية التي أطاحت حلفاء إيران وأتباعها من الفصائل الشيعية في العراق؟!