حروب النساء في أفغانستان

حروب النساء في أفغانستان

24 اغسطس 2021
الصورة

معلمات أفغانيات يصلن إلى حديقة في هرات للقاء حاكم الولاية (20/11/2001/فرانس برس)

+ الخط -

ضحك المُقاتل في حركة طالبان حتى عجز عن الكلام، حين سألته الصحافية الأميركية كلاريسا وارد، مراسلة CNN في كابول، عن رأيه في انتخاب نساء يشاركن في السلطة. الردُّ العفوي لهذا الجندي يمثّل "طالبان" أكثر مما يمثّلها بلاغها (بيانها) القائل إنّها ستسمح للنساء بالمشاركة في السلطة، فعلى الرغم من التطمينات التي تحاول تقديمها للعالم، الذي يراقب عملية سيطرتها على البلد، عبر تصريحات مسؤوليها، بعد انتهاء الوجود الأميركي غير المشروع، فإنّها تبدو مناورة تحاول ذرّ الرماد في عيون العالم الذي يتابع خطواتها الأولى في كابول، أكثر مما هي اعتناق لفكر جديد.
ولعل أكبر رد فعل رافق عودة "طالبان" إلى حكم أفغانستان، يستحضر تاريخها المُثخن بالجرائم التي ارتكبتها بحق النساء بين عامي 1996 و2001، فترة حكمها السابقة، والذي ما زال عالقا بالأذهان. إلى درجة أنّ الشابات، اللواتي بعضهن لم يكن قد ولدن آنذاك، أو كنّ صغيرات، لا يعين الفوارق، امتلكهنّ الرّعب لحظة الإعلان عن دخول "طالبان" كابول. وفي شهادة إحداهن المنشورة في "ذا غارديان" البريطانية، تقول: "عملت أيامًا وليالي طويلةً لأكون الشخص الذي أنا عليه اليوم، وهذا الصباح، حين عدتُ إلى البيت، أولُ شيءٍ قمنا به، أنا وشقيقاتي، كان إخفاء بطاقاتنا التعريفيّة، ووثائقنا الرسمية والشهادات. لماذا علينا إخفاءُ الأشياء التي علينا أن نكون فخوراتٍ بها؟ هذا الأمر قاتل، ألّا يُسمح لنا الآن في أفغانستان أن نكون أنفسنا؟".

نشأت الحركة الإسلامية في أفغانستان تحت تأثير فكر جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بداية الخمسينيات من القرن الماضي

إنّها لحظة صعبة على النساء في أفغانستان، لكن اهتمام الغرب بوضع النساء ليس بريئا، فقد يكون الغرض منه تصفية الحساب مع الحركة فقط، وليس قلقا حقيقيا على وضع المرأة الأفغانية، فهو عصر الغرب الأناني الذي يتفق مع حركة طالبان "مكرها"، ويستغلّ صعودها لصالحه، ولكن لتسويق نفسه داخليا، بدعوى القلق على نساء أفغانستان، مع أن الوضع الاقتصادي لا يقل إثارة للقلق، في دولةٍ لا يتجاوز دخلها السنوي بضع مئات من ملايين الدولارات. ويفاقم هذا الوضع الاقتصادي المزري الوضعية الهشّة للمرأة في المجتمع، حيث تتم التضحية بها مقابل مبالغ بسيطة، لأيّ عريس محتمل. وقد تعود نسب تزويج القاصرات إلى الارتفاع. مع العلم أنّ المرأة في أفغانستان تنتمي إلى مجتمعٍ منغلق على نفسه، وساعدت الجغرافيا القاسية، والمحيط الإقليمي المتشابه معها، في تثبيت العادات التي لا تمنح المرأة أيّ فرصةٍ لامتلاك زمام الأمور، على الرغم من أن البلاد تقع في مفترق طرق، يفترض حدوث تلاقح ثقافي، إذ تقع طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان من الشمال، وإيران من الغرب، والصين من الشرق، فيما تحدّها باكستان من الجنوب. هو إذاً، موقع جيواستراتيجي يربط شرق آسيا وغربها وجنوبها ووسطها، لكنّ هذا الموقع لم يضف على المجتمع انفتاحا كبيرا، في ما يخصّ وضعية المرأة داخله.
وعلى الرغم من أن المجتمع الأفغاني محافظ في الأصل، لكنّه في ما يتعلق بالمرأة من المجتمعات الأكثر محافظة، فمكانتها تُرتّب كما يرى الفقهاء والشيوخ المحليون المتأثرون بالاجتهادات الأولى للحركة الإسلامية، التي انتشرت بقوة في المجتمع الأفغاني منتصف القرن الماضي، والتي كانت تحصُر وجود المرأة في البيت، قبل أن تتطوّر نسبيا الآن، وتقبل بحضور المرأة في المجال العام. وقد نشأت الحركة الإسلامية في أفغانستان تحت تأثير فكر جماعة الإخوان المسلمين في مصر، بداية الخمسينيات من القرن الماضي، في جامعة "كابول".

خارج كابول، يتعرّض أمن النساء للخطر من سادة الحرب المحليين الذين يستغلّون النساء تحت حماية ما لديهم من الحصانة

وحسب نويلين هيزر، المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (يونيفيم) "تبقى مشكلة تزويج الأطفال والزواج القسري شائعة ومنتشرة، يغذّيها الفقر وانعدام الاستقرار. حيث يجري تزويج الفتيات الصّغيرات بغرض الحصول على بعض المال، أو لتسوية النزاعات، وهي ممارسة تفرض عليهن الاستغلال الجنسي والفقر المستديم. وخارج كابول، يتعرّض أمن النساء للخطر من سادة الحرب المحليين الذين يستغلّون النساء تحت حماية ما لديهم من الحصانة".
وبالعودة إلى فترة حكم "طالبان" في أفغانستان قبل الاحتلال الأميركي عام 2001، نجد أنّها حرمت النساء حتّى من الحريات الأساسية مثل الذهاب إلى المدرسة، والتحدّث علانية، والخروج من المنزل بدون مرافق ذكر، والزّواج المبكر وغير ذلك. وكنتيجة لذلك، ووفقًا لمؤشر WPS الذي يوفر مقاييس لمختلف المؤشرات المتعلّقة بحقوق المرأة ورفاهيتها وتمكينها، تحتل أفغانستان المرتبة الأدنى، أي 152 من بين 153 بلدًا.
وبحسب تقرير لـ"بي بي سي"، فإنّه في عام 2001 آخر أعوام حكم "طالبان"، لم تكن هناك فتيات في المدارس الرسمية التي كانت تضم مليون طفل وشاب. وبحلول عام 2012، ارتفع عدد تلاميذ المدارس إلى 7.8 ملايين، من بينهم نحو 2.9 مليون فتاة، حسب بيانات للبنك الدولي تفيد بإنّ 36% من الفتيات يذهبن إلى المدرسة، على الرغم من أن عديدات منهن لا يكملن تعليمهن الثانوي. وذكر تقرير منظمة العفو الدولية، عن عامي 2017-2018، أن اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان أفادت بوجود آلاف من حالات العنفِ ضد النساء والفتيات في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الضرب والقتل، والاعتداء باستخدام الأحماض.

لن تُغيّر "طالبان" من موقفها تجاه المرأة، فهي تبنيه على أسسٍ فقهية مغرقة في التقليد، لأنّها لم تخضع للتطور الطبيعي

هي ليست حروب النساء، ولن تجد نساء يشاركن في التخطيط لها، أو تنفيذها، لكنّهن ضحيّتها الأولى، والمعني الأكبر بها. لهذا هنّ أكبر داعم للسلام، إذا تمّ إشراكهن في السّعي إليه. ويمكن الاستناد إلى المدوّنة التي أصدرها معهد استوكهولم للحريات، والتي تدرس خطورة غياب المرأة في عمليات السّلام، وتقول المدونة التي أعدّها باحثان: "غياب النساء الأفغانيات في المحادثات يعني أن النساء في البلاد لا يعرفن ما سيحدث في حياتهن في المستقبل". وتُفيد الدراسة بأن الدفع من أجل إدراج قضايا المرأة والقضايا الإنسانية في عملية السلام الرّسمية سيكون بمثابة استراتيجية لتحفيز قبول "طالبان" الحقوق المشروعة للمرأة.
أفغانستان مسقط رأس جلال الدين الرومي، الذي ولد في مدينة بلخ وانتقل مع أبيه إلى بغداد، في الرابعة من عمره، تحملُ تاريخا جريحا من الحروب والصراعات الدموية. وتتطلّع إلى الحرية والكرامة، مدفوعة بما استطاعت المرأة تحقيقه خلال العشرين سنة الماضية، على الرغم من الوجود الأميركي غير المشروع. ولا يمكن التّفضيل بين احتلال أجنبي يسمح بحرية أكبر للنّساء، على الرغم من مساسه بالسيادة الوطنية، وسيطرة قوّة محلية لكن عنيفة وإقصائية، تَعِد بقبضة حديدية، مع الوعود النّاعمة، فليس في القنافذ أملس، ولن تُغيّر "طالبان" من موقفها تجاه المرأة، فهي تبنيه على أسسٍ فقهية مغرقة في التقليد، لأنّها لم تخضع للتطور الطبيعي. لكن لن نفقد الأمل، فالمعجزات تكمن في الخفاء، حسب جلال الدين الرومي. إذ إنّ المرأة الأفغانية لم تعد هي نفسها التي كانت قبل عشرين سنة؛ فنِسب التعليم والوعي مرتفعة، والأفغانيات سيفرضن وجودهن، ولن يقبلن البقاء في البيت.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج