حروب المستقبل .. موت العقائد

حروب المستقبل .. موت العقائد

13 نوفمبر 2021
الصورة

(Getty)

+ الخط -

حين تقرّر الاطلاع على التاريخ والغوص في أسباب معارك القرون الماضية، السحيقة منها والحديثة، قد تنبهر بأحجام الجيوش التي تقاتلت، حين كان القتال أكثر التحاماً بين البشر، على الرغم من تفاهة حروبٍ عديدة، خصوصاً التي نشبت بسبب خلافٍ على إبل أو مواش أو كلاب أو حجل أو غيرها. لن تتعجّب حين كانت الأدبيات والمراثي التي رافقت مثل تلك المعارك، قد خُلّدت للدلالة على المظلومية أو الحقّ أو الاضطهاد، أو لإبقاء جذوةٍ تلمّس شمس الحرية مشتعلة. ذلك كله سيصبح قريباً من الماضي في أي معارك مستقبلية، لا بدّ أن تقع، لأن البشر لم يتجاوزوا بعد القدرة على حلّ أي خلاف، تافهاً كان أم عميقاً، في معزلٍ عن الصدام والسلاح.

تُظهر التقارير العسكرية المُتاحة للجمهور من دول عدة أن تطوّر الأسلحة بات يعتمد أكثر على التقنية. لم تعد الطائرات المسيّرة وحدها عنوان أي حربٍ مستقبليةٍ، بل إن جيوشاً مكوّنة من آليين باتت في الخدمة لدى الدول العظمى، مثل الصين والولايات المتحدة والهند على الأقلّ. لم تعد القصائد التي تتغنّى بـ"قتال الرجال من الندّ للندّ" صالحة لهذا العصر، ولا لأي عصورٍ مقبلة، طالما أن التقنية تغزو سوق العسكر، مستبدلةً العنصر البشري بآخر آلي. في السابق، كان يُمكن حشد العناصر البشرية في قتالٍ بالسلاح بين قريتين في بريطانيا مثلاً أو بين القبائل العربية. أما اليوم، فيكفي أن يجلس فردٌ ملمٌّ بالتقنية في غرفة مكيّفة، وإدارة معركة كبيرة من خلف شاشة صغيرة. قد يبدو للوهلة الأولى أن مثل هذه المعارك تخفّف من الخسائر البشرية، غير أنها تكتفي فقط بالتقليل من أعداد الضحايا العسكريين، من دون تقديم ضمانةٍ بعدم قصف مواقع مدنية.

هذا التحوّل لن يتوقف، خصوصاً أن صناعة الذكاء الاصطناعي تتقدّم بسرعةٍ هائلة، ما يجعل أي فردٍ أو مجتمع متخلّف عنها في موقع هامشيّ في مسار التطوّر، لن ينتهي سوى بتسريع عملية انخراطه في مثل هذا التقدّم، أو التعرّض للانقراض المعنوي وتشتّت أفراده. مثل هذا التطوير العسكري سيُسقط أدبيات عدة راسخة في أحزاب ودول وعصابات تعتنق عقائد أيديولوجية جامدة، معتمدة فيها على العنصر البشري فقط. وهو ما سيؤدّي إلى سقوطها، محقة في قتالها أم لا.

بعد اكتشاف القارّة الأميركية، وبدء زحف المستعمرين الأوروبيين، إلى شمالها ووسطها وجنوبها، سقطت حضاراتٌ وإمبراطورياتٌ عظيمة، من القبائل الأميركية الأصلية في الولايات المتحدة، إلى حضارتي المايا في المكسيك والإنكا في البيرو، فقط لأنها لم تملك السلاح الرادع لصدّ الغزاة. لا يُمكن أمام البندقية استخدام السيف، وفي موازاة المدافع تُصبح الأقواس لعبة أطفال. وكما في أميركا كذلك في أفريقيا. تطوّر السلاح جعل المحتلّين أكثر قوةً وقدرةً على قضم الأراضي الجديدة. في هاتيك الأيام، لا يُمكن لوم الشعوب الخاسرة على استخدامها ما توفّر من سلاح، لأن العالم لم يكن مكشوفاً كما هو عليه اليوم، أقلّه في نقاط ومفاصل أساسية.

هذه المرحلة الانتقالية بين نوعين من الحروب، التقليدية منها والمستقبلية، ستسمح بنشوء أنماط جديدة في أي معركة، سيُصبح معها استعانة البشر بأقوالٍ سياسيةٍ ودينيةٍ للحثّ على القتال بمثابة أمر غريب وغير ضروري. البشر بطبيعتهم يخافون، وإن قرّروا مواجهة خوفهم، فإنهم يسعون إلى اعتماد أحدث العتاد العسكري للدفاع عن نفسهم خلال هذه المواجهة. وكلما كبُر حجم الاتكال على التقنية صغُر حجم الاعتماد على العنصر البشري. حينها، قد تقلّ القدرة على جذب عناصر بشرية إلى جيوش ومنظمات بدافع عقائدي، وسيتم استبدال ذلك بعرض الأموال والحوافز. وقد يؤدّي هذا المسار إلى نشوء "جيش وطني متعدّد الجنسيات"، لأن الخبرات متحرّكة وغير محصورة في بلدٍ واحد. الأكيد أنه خلال بضعة عقود، سينظر العالم إلى عام 2021، كنظرتنا حالياً إلى القرون القديمة.