حرب الجثامين في غزّة

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:35 (توقيت القدس)

موظف يتحقّق من بطاقة هوية لجثمان شهيد في خانيونس جنوب قطاع غزة (18/10/2025 فرانس برس)

+ الخط -

بعد عامين من الموت والدم والخراب والفقد، تطلّ علينا صورة أكثر قتامةً وإظلاماً لما مرّ به هذا الشعب المكلوم البائس في قطاع غزّة، تلك المنطقة الأعلى كثافةً سكانيةً في العالم على ضيق مساحتها. ورغم ذلك، سُجِّلت بأنها الأعلى كثافةً في الحزن، مؤكّدةً أن رحلة العذاب متواصلة، وإن كان هناك قرار عالمي بوقف الحرب، فإنّ الأمل في معرفة أخبار دقيقة لمن فُقدوا خلال هذه الإبادة، وحيث تضاربت الأنباء حول مصيرهم ما بين ميّتٍ ومفقودٍ وأسيرٍ، قد أضحى واهياً.

ولأنّ تلك البلاد الضّيقة تكشف لك عن مدى بؤسها بحقائق جديدة كل يوم، فهي عاجزةٌ حتى عن التعرّف إلى ما تبقّى من أبنائها من رفاتٍ وعظامٍ، وذلك بعد أن سلّم الاحتلال مائة جثةٍ ونيّفٍ لأناس تملؤهم اللوعة، وتضرب في جوانب عقولهم الحيرة، لأنهم لم يستطيعوا التعرّف إلى ما تبقّى من فلذات أكبادهم وأحبّتهم.

سلّمت إسرائيل للجانب الفلسطيني، بعد توقيع الاتفاقية أخيراً، نحو 130 جثة، ولم يتم التعرّف سوى إلى سبع منها. ولم يحدث ذلك عن طريق فحص الحمض الوراثي القاطع المعروف بـDNA، بل تعرّف بعض الأهالي إلى هويّات ذويهم من خلال طرقٍ بدائيّةٍ بحتةٍ، لكنّها موجعة أيّما وجع. فالوقت الذي يمضيه أيّ إنسانٍ أمام بقايا يعتقد أنها لفقيده لا يُقاس بالوقت المعتاد، بل يُقاس بالقهر والدمع والحسرة. وهذا ما حدث فعلاً قبل أيام قليلة، حيث لم يكن هناك خيار أمام المسؤولين في مستشفى ناصر، الذي تسلّم تلك الجثامين في حالة يُرثى لها، سوى أن يعرضوا صوراً لتلك الجثامين على شاشة عرضٍ مكبّرةٍ يتابعها الملهوفون الذين لا يزال الأمل يراودهم.

ولك أن تتساءل: أيّ أملٍ هذا؟ والإجابة: إن الأمل يراودهم بأن يتعرّفوا إلى رفات عزيزٍ كي يواروه قبراً سوف يزورونه ويبكون إلى جواره كثيراً، والأمل أيضاً أن يكون عزيزهم لا يزال أسيراً في سجون الاحتلال وسيعود حيّاً ذات يوم، لأنهم لم يعثروا على ما يدلّ على شخصيته بين هذه الرفات والبقايا البشرية التي لا تنبئ إلا عن أكبر جريمةٍ ضد الإنسانية لكل من يعاينها.

لك أن تتخيّل كيف يمكن لأبٍ أن يجرّ ساقيه الواهنتين جرّاً ليجلس في تلك القاعة الباردة، ويتابع بعينين لم تتوقّفا عن ذرف الدموع تلك الصور المؤلمة لجثثٍ تعرّضت للتعذيب بأقسى صوره بعد موتها وقبله. وما يُشعرك بالاشمئزاز من تسلّط هذا الاحتلال وجبروته، أنك تكاد تلفظ ما في جوفك حين ترى أن معظم الصور تؤكّد أن هناك من تلذّذ بتعذيب أصحابها فعلاً بعد موتهم. أما نصيبهم من التعذيب وسرقة الأعضاء قبل موتهم، فهو النصيب الجماعي والحكم المؤكّد عليهم جميعاً، إذ تبدو الجثث موثقة الأيدي ومعصوبة العينين. وإن كان ذلك الأب قد جرّ ساقيه وكأنه يجرّ بهما أغلالاً أثقل من جبل أحد، فكيف بالأم التي كان عليها أن تأتي إلى هذا المكان على أملٍ، أو على يأسٍ واستسلام؟

تصوّر حال الأم، وسوف يمزّق قلبك لمجرد أن تتخيّلها تشير بإصبعٍ مرتجفةٍ نحو صورةٍ ما قد مرّت أمام ناظريها الغائمتين بالدموع، مؤكّدةً أن تلك البقايا كانت لابن قلبها ومهجة روحها، ولا يمكن لأمٍّ أن تخطئ في التعرّف إلى فلذة كبدها حتى لو تبقّت منه خصلةٌ من شعره.

وإذا كانت إسرائيل قد تسلّمت أسراها الأحياء وبعض جثامين أموات، فقد أعلنت توقّف تنفيذ الخطوة الثانية من الاتفاق حتى تتسلّم الجثامين التي أُعلن عن فقدانها. ومن الطبيعي أن تُفقد بعد عامين من دكّ الأرض بأعتى آلات الحرب، ولكنّ إعلان إسرائيل هذا يؤكّد مماطلتها واستهتارها ونظرتها الدّونيّة إلى دمنا، وإمعانها في إذلالنا أحياءً وأمواتاً، خصوصاً أنها قد أجرت فحوصاتٍ لتلك الجثث في معاملها ولم تسلّم نتائجها لمسؤولي الصحّة في غزّة، إمعاناً في تعذيب من تبقّى حيّاً فقط، من أجل أن يدفن بقايا موتاه.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.