حرب الانتصارات الرخيصة في السودان

25 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:02 (توقيت القدس)
+ الخط -

يعيش شطر كبير من السودانيين على وقع حربٍ عمياء بدأت في إبريل/ نيسان 2023، ويراد لها أن تكون بلا نهاية. وبينما غلب عليها في بداياتها استهداف المقارّ العسكرية والأمنية والمنشآت الحيوية، إلا أنها أخذت تجنح شيئاً فشيئاً إلى استهداف المدنيين والمرافق المدنية بوحشية غريبة عن طبائع السودانيين الذين يميلون إلى المسالمة والمسامحة في ما بينهم. وقد لوحظ أن وتيرة استهداف المدنيين وزجّهم في الحرب قد طبعتها من بدايتها، لكنها ارتفعت بعد أن تمكّنت القوات المسلحة من تحرير الخرطوم، واستعادتها من المتمرّدين في مايو/ أيار الماضي.

التقارير المتتابعة من هناك مفزعة: عن اكتشاف مقابر جماعية. استهداف مساجد ومستشفيات في مدينة الفاشر، ضرب مراكز إيواء للاجئين. انعدام الغذاء ولجوء الناس إلى استهلاك علف الحيوانات، وهذا أخذ مخزونه ينفد. عمليات خطف وسلب ونهب وحتى اغتصاب وسحب دماء تحت زعم إجراء تحاليل طبّية. وقد دعت الأمم المتحدة قبل أيام إلى "وقف الاستهداف المتعمّد للمدنيين" في الفاشر، مركز ولاية شمال دارفور، غربي السودان، معربةً عن إدانتها الشديدة "الاستهداف المتكرّر والمتعمّد للمدنيين"، بتعبير منسقّة الأمم المتحدة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون في بيان لها جاء فيه "يجب عدم استهداف المستشفيات والملاجئ وأماكن اللجوء". وبهذا يكرّر مهاجمو المدينة من قوات الدعم السريع نموذج استهداف مدينة غزّة، باتباع سياسة الأرض المحروقة والقضاء على الأخضر واليابس، والسعي نحو انتصارات رخيصة مضرّجة بدماء الضحايا البريئة. وبينما تعرّضت غزّة إلى استباحة من عدو عنصري متوحش، فإن مدينة الفاشر بالذات لا تتعرّض لهجوم وحصار من قوات أجنبية معادية، بل من قوات محلية زادت من وتيرة استهداف المدنيين بعد دحرها عن العاصمة، بما يجعل هذا النموذج المشين أقرب الى نموذج حرب نظام الأسد على شعبه في سورية. وبينما حظيت المحنة في هذا البلد باهتمام دولي وإقليمي كبير، نظراً إلى الموقع الجيوسياسي لسورية، ولكثرة اللاعبين آنذاك في تصعيد المحنة، فإن الكارثة التي تصيب السودان إذ اجتذبت، في البداية، اهتماماً أفريقياً وعربياً وإسلامياً، إلا أن الاهتمام بالفصول المأساوية لهذه الحرب أخذ يتراجع، بعد اطمئنان جهاتٍ عديدةٍ إلى أن النيران السودانية لن تمتد إلى الخارج، ولن تهدّد سوى أبناء هذا البلد.

تتّجه الحرب في السودان نحو جموع المدنيين المنهكين الجوعى والباحثين عن ملاذٍ آمن

وكما وقع في سورية وفي قطاع غزّة، تتّخذ الحرب سمة جرائم يومية، وتتّجه نحو جموع المدنيين المنهكين الجوعى والباحثين عن ملاذٍ آمن، ويتراجع الطابع العسكري للحرب، فقد أصبحت المساجد ومراكز الإيواء الهدف المفضّل للقوات المهاجمة التي لا تجد من وسيلة لـ"الضغط العسكري" سوى الخوض في دماء المدنيين، وبالذات الشرائح الأكثر ضعفاً من الأطفال والنساء. والهدف من هذا السلوك الوحشي السيطرة على الفاشر التي تتعرّض للحصار، من دون إيلاء أي اعتبار لتعريض أكثر من مليون نسمة لخطر الموت جوعاً أو قصفاً، ومن قوى مسلّحة تقول إن لديها رؤية لمستقبل السودان تقوم على إحلال المكوّن المدني في السلطة، وإقصاء الجيش عن مركز القرار السياسي. ودليل وجاهة طروحاتهم يكمن في الوقائع السوداء المتتابعة، في شنّ حربٍ ضروسٍ على المدنيين العُزّل، لإظهار عجز المؤسّسة العسكرية عن حماية الناس، والسعي إلى السيطرة على هذه المدينة الاستراتيجية، التي تُعد مركزاً تجارياً واقتصادياً في الإقليم، وتقع على مفترق طرق يؤدّي إلى حدود ليبيا وتشاد، وقد نشطت قوات الدعم السريع في استخدام المُسيّرات في الآونة الأخيرة واستهدفت مطار الخرطوم مرّتين لمنع عودته إلى العمل، مع التركيز على أهداف منتقاة من تجمّعات المدنيين، إذ تثير التجمّعات الكبيرة العدد شهية المهاجمين أكثر من سواها. ومثيرٌ للاستغراب أن هذه الجرائم المتتابعة إذ تلقى ما تستحقّه من إدانات قاطعة من الأمم المتحدة ومنظمات العمل الإنساني، فإنها تواجَه بما يشبه الصمت والتجاهل في عواصم الإقليم والقارّة الأفريقية، وتصطدم الحلول السياسية برفض رؤية جذور الصراع الكامنة في تمرّد قوات الدعم السريع، ورفضها الانضمام إلى الجيش السوداني، وصولاً إلى سعيها لإحلال قواتها محلّ المؤسّسة العسكرية، ومحاولة القيام بانقلابٍ كامل الأركان في ربيع العام 2023.

الاهتمام بالفصول المأساوية لحرب السودان أخذ يتراجع، بعد اطمئنان جهاتٍ عديدةٍ إلى أن النيران السودانية لن تمتد إلى الخارج، ولن تهدّد سوى أبناء هذا البلد

وقد سقط منذ ذاك عشرات آلاف القتلى والجرحى، ودُمّرت بنى تحتية وتشرّد نحو مليوني نازح، من دون أن تلوح نهاية لهذه الحرب العمياء، رغم محاولات للاتحاد الأفريقي وجهود عربية متعدّدة. ومن المؤلم حقاً ما ترشح به "السوشيال ميديا" من دعوات المدنيين المنكوبين إلى إيلاء الاهتمام بهم، ووقف الحرب الغاشمة عليهم، في تكرار وقائع مماثلة شهدها قطاع غزّة، حيث لجأ الناس هناك إلى منصّات التواصل لإيصال أصواتهم الملتاعة. ويستوقف المرء فيديو قصير ظهرت فيه يافعة من الفاشر، تغبط أهل غزّة على ما يلقونه من اهتمام خارجي، ومن تعاطفٍ واسعٍ إلى درجة أن العالم يقف، كما قالت، "على ساق واحدة"، كناية عن الانشغال التام بما يجري في القطاع، فيما لا يُبدي العالم ردات فعل تُذكر على جرائم القصف والتجويع والخطف التي يتعرّض لها سكّان الفاشر منذ عام على الأقل، وهي جرائم لا تقلّ، كما ذكرت، عمّا جرى لأهل غزّة. وفات الشابة الملتاعة أن ذلك الاهتمام الإعلامي لم يسعف أهل القطاع في شيء، فالإبادة المنهجية ظلت على حالها ومنع دخول المساعدات لم يتوقّف، حتى أن القوات الإسرائيلية قتلت عشراتٍ بعد إعلان وقف إطلاق النار يوم 9 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وهذا لا يقلّل مما تحمله شهادة الشابة السودانية من مرارة، ومن تطابق مع الواقع، لجهة الإشارة إلى اللامبالاة الخارجية بمحنة شعب السودان، والامتناع عن وصف الجرائم بما هي عليه، والعزوف عن وضع حلول موضوعية تضع نهاية للتمرّد على الدولة السودانية، وعلى حق السودانيين في الحياة والكرامة والأمن.