حراك فرنسي في الشرق الأوسط

حراك فرنسي في الشرق الأوسط

17 سبتمبر 2021
الصورة

ماكرون يتحدّث في مؤتمر بغداد للتعاون والشراكة (28/8/2021/فرانس برس)

+ الخط -

تقترب الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفرنسية، وليس لدى الرئيس إيمانويل ماكرون إنجازات داخلية مهمة تسنده في الحصول على ولاية رئاسية ثانية. وعلى الرغم من غياب منافسين فعليين من اليمين التقليدي والمتطرّف واليسار، فإنه يحتاج إلى أوراق قوة تجعل من إعادة انتخابه في مايو/ أيار المقبل انتصارا ممكنا، وبلا مصاعب كبيرة. ولأن الفرص الداخلية شبه محدودة، بسبب آثار جائحة كورونا على الإقتصاد، فإن الرهان على نجاحاتٍ في السياسة الخارجية هو ما يبحث عنه. وتتحرّك الدبلوماسية الفرنسية في الشرق الأوسط على نحو ملحوظ منذ أكثر من سنة، بهدف تحقيق اختراق يعيد للدور الفرنسي بعضا من مكانته التي كانت في أوجها خلال ولايتي جاك شيراك (1995 -2007). وكانت محطّة ماكرون الأولى لبنان، بعد حصول انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس/ آب 2020، ومنها انتقل إلى العراق. وعبّر في المحطتين عن مسعى فرنسي للعب دور بمساعدة هذين البلدين، على اختلاف المشكلات التي تعضف بكل منهما. وفي لبنان، وضع الرئيس الفرنسي ثقله من أجل تشكيل حكومةٍ لبنانية، تتولى إعادة إعمار ما دمره انفجار المرفأ، والقيام بإصلاحات توقف حالة الانهيار التي يعيشها البلد. وعلى الرغم من أن جهود باريس اصطدمت بممانعة رئيس الجمهورية، ميشال عون، الذي عطّل إمكانية تشكيل مرشح فرنسا سعد الحريري حكومة، فإن ماكرون بقي مصرّا على إنجاز هذه المهمة. ولذلك نسبت له الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية إنجاز تشكيل الحكومة برئاسة نجيب ميقاتي. وتتحدّث مصادر في باريس وبيروت إن فرنسا هي التي وضعت التفاصيل الأخيرة لتشكيل الحكومة. وبدلا من أن يعتذر ميقاتي، سار وفق الصيغة الفرنسية التي خرجت بها تشكيلة الحكومة، وبينها وزراء يحملون الجنسية الفرنسية.

وغير بعيدٍ عن هذا التحرّك، كان ماكرون قد شارك في الاجتماع الإقليمي الذي نظمه العراق في 28 من الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، وكان المدعو الوحيد من خارج الإقليم، كما أنه حظي بمعاملة خاصة، ووصل إلى بغداد قبل المؤتمر بيوم، ليُجري مباحثاتٍ رسمية مع رئيس الدولة، برهم صالح، ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وتمحورت تصريحات الرئيس الفرنسي حول "استعادة سيادة العراق" وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وعبّر عن رهان صريح على نجاح استحقاق العاشر من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول) بنجاح الانتخابات التشريعية المبكرة، وتعزيز مركز رئيس الوزراء الذي يتعرّض لضغوط داخلية من المليشيات القريبة من إيران، والتي تمارس السطو على سلطة الدولة. وبمجرّد عودة الرئيس الفرنسي من العراق، انطلقت جولات من المفاوضات بين الطرفين، من أجل الارتقاء بالتعاون الاقتصادي، والذي عبّر عنه البحث في صفقات عسكرية واقتصادية، ووقعت الحكومة العراقية، في الخامس من الشهر الحالي، اتفاقاً ضخماً مع شركة توتال الفرنسية، ضمن مشروع كبير من أربعة عقود قيمتها الإجمالية 27 مليار دولار، لاستثمار الغاز المصاحب للنفط، في الحقول الجنوبية، فضلاً عن تعزيز مسار مشروعات الطاقة النظيفة.

وحصلت هذه التطورات ضمن تفاهمات فرنسية إيرانية، ساعدت طهران بموجبها بالحصول على العقود الفرنسية في العراق، مقابل تسهيل باريس مهمة طهران في لبنان، بتراجعها عن مبادرة تشكيل حكومة مصغّرة واختصاصية. ويطمح الطرفان إلى تعميم هذه القاعدة، لتشمل حلحلة بعض الملفات في سورية، من خلال دعم بعض المشاريع، ومنها نقل الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى لبنان عبر سورية التي تستفيد من وراء ذلك اقتصاديا وسياسيا. واللافت أن واشنطن غضّت النظر، لا سيما أن باريس تستغل الانكفاء الأميركي عن المنطقة، وانشغال واشنطن بمعالجة التداعيات السلبية للانسحاب من أفغانستان. والملاحظ أن بعض وسائل الإعلام الفرنسية تعاملت مع ذلك باحتفاء شديد، ما يصبّ في طاحونة الدعاية الانتخابية للرئيس الفرنسي، وينعكس بقوة على حظوظه الانتخابية وفرصة الحصول على ولاية رئاسية ثانية.