حدود التناقض الأميركي الإسرائيلي في سورية

26 نوفمبر 2025
+ الخط -

بعد نحو عام على سقوط نظام الأسد، يمكن القول إنه بات بالإمكان تمييز سياسة أميركية واضحة في سورية. التردّد والتحفّظ اللذان اتسم بهما السلوك الأميركي غداة وصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم في دمشق أخذا يتراجعان، منذ مايو/ أيار الماضي، لصالح مقاربة تقوم على الانفتاح والتعاون، عندما وافق الرئيس ترامب على لقاء الرئيس أحمد الشرع، على هامش القمة الأميركية - الخليجية في الرياض. صحيحٌ أن واشنطن استجابت لضغوط تركية - خليجية للانفتاح على إدارة الشرع، لكن رؤية الولايات المتحدة إلى مصالحها هي التي أملت، في النهاية، عمق (واتجاه) التغيير الذي طاول سياساتها السورية. تقوم المقاربة الأميركية في سورية على ركيزتين أساسيتين: شخصيّة، تتجسّد في إعجاب الرئيس ترامب بالقوة بمعناها التقليدي، وتفضيله التعامل مع قادة "أقوياء"، مثله، بحسب زعمه. وسياسيّة، تقوم على حسابات الربح والخسارة، والفرص والمخاطر التي يوفرها التغيير السوري. أما المخاطر فتتمثل في أن بديل نظام الشرع قد يكون الفوضى أو نظاماً أكثر تطرّفاً، أو، وهذا احتمال ضعيف جداً، عودة إيران وحلفائها.

في المقابل، يوفر نظام الشرع فرصة لتحقيق جملة من الأهداف الأميركية، أولها أنه يضع سورية، ذات الموقع الاستراتيجي الفريد، لأول مرة في المعسكر الأميركي منذ 1954 عندما أبرمت دمشق في عهد الرئيس هاشم الأتاسي صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، تم تنفيذها في عهد الرئيس شكري القوتلي، بعدما رفضت أميركا وبريطانيا إمدادها بالسلاح بسبب معارضة سورية حلف بغداد، وعدائها لإسرائيل. ثانياً، مساهمة سورية في احتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، بعدما تحوّلت من حليف لطهران إلى خصم لها، عبر تشديد الرقابة على طرق تهريب السلاح والمال إلى حزب الله، الذي بات إضعافه ونزع سلاحه متطلباً رئيساً من متطلبات تنفيذ رؤية ترامب للمنطقة بعد حروب "طوفان الأقصى". ثالثاً، ترى واشنطن في إدارة أحمد الشرع الشريك المثالي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وبقية الفصائل المتطرفة، وفق الرؤية التي وضعها وأشرف على تنفيذها ديفيد بترايوس، مدير "سي آي إيه" السابق، وقائد القوات الأميركية في العراق، في ذروة الصراع مع تنظيم "دولة العراق الإسلامية"، فرع القاعدة العراقي الذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي. خلال تلك الفترة نجح بترايوس في دحر التنظيم من خلال إنشاء، دعم، وتسليح الصحوات (جماعات عشائرية سنية). يقول بترايوس في محاضرة عام 2015 إن أفضل طريقة لدحر تنظيم متطرّف تكمن في دعم خصم له من جنسه (الحالة المثالية أن يكون فرعاً منشقّاً عنه)، فأشد الخصومات، وأكثرها مرارة، هي التي تنشأ داخل التنظيمات الأيديولوجية التي تتصارع على التمثيل، والشرعية، وتفسير النصوص، و"الصفاء الأيديولوجي" (لاحظ مثلاً علاقة البعثين السوري والعراقي، وشيوعيي الصين والاتحاد السوفييتي). وقد صارت هذه الأطروحة مركزية في دراسات التطرّف والاعتدال (Deradicalization). الهدف الرابع الذي تسعى واشنطن لتحقيقه، من خلال دعم حكومة مركزية قوية في دمشق، ضمان أمن إسرائيل لأن فوضى السلاح على الجانب الآخر من الحدود تمثل خطراً عليها، وفق رؤية واشنطن، التي تأمل أيضاً بإبرام اتفاق أمني يؤدّي لاحقاً إلى معاهدة سلام بين سورية وإسرائيل. وهذا يعني إنجازاً شخصيّاً كبيراً للرئيس ترامب، وخطوة كبرى نحو ترتيب أوضاع المنطقة تحت المظلة الأميركية، بما يساهم في إضعاف نفوذ روسيا والصين فيها.

العقبة الكؤود التي تقف أمام تنفيذ رؤية ترامب السورية، للمفارقة، هي حكومة إسرائيل التي ترى أنه ليس في وسعها، بعد أحداث 7 أكتوبر (2023)، السماح بوجود قوى جهادية على حدودها، أو استبدال النفوذ الإيراني بالتركي في سورية. لذلك شرعت، منذ سقوط نظام الأسد، في تقويض حكم الشرع، باعتداءاتها المستمرّة على الأراضي السورية، واحتلال مزيد منها، والعمل، بالقوة النارّية، على تشكيل منطقة منزوعة السلاح، تمتد بين دمشق والحدود. فوق ذلك، استغلّت إسرائيل الأخطاء التي ارتكبتها إدارة الشرع في التعامل مع أحداث الساحل والسويداء لتعزيز الانقسام الداخلي، والحيلولة دون بسط دمشق سلطتها على كامل أراضيها. التناقض، هنا، جوهري إذاً بين واشنطن، التي يبدو أنها تتّجه إلى تبني حكومة الشرع "حليفاً" إقليمياً في مواجهة إيران و"داعش" خصوصاً، وإسرائيل التي ترى في الشرع وإدارته تهديداً لها. السؤال المهم هنا: هل تستطيع واشنطن حل هذا التناقض، وكيف؟ وماذا لو صارت سورية أحد ملفات الصراع بين تياري "أميركا أولاً" و"أميركا وإسرائيل أولاً" الذي يحتدم في معسكر ترامب؟