حجاب المعرفة وهوية المؤلف

26 سبتمبر 2020
الصورة

(لؤي كيالي)

يعتبر المنظّر الفرنسي، رولان بارت، أن عملية القراءة النقدية تحتاج إلى فصل النص عن مؤلفه، ووضع هويته جانباً قبل البدء في القراءة النقدية، وإلا تتحوّل عملية تفسير النص إلى التفسير الاستبدادي، يتعلق بطبقة واحدة فقط، هي هوية المؤلف، بينما النص، أي نص كان، هو مجموعة من الطبقات ذات المصادر المختلفة، وتحتاج كل طبقةٍ إلى تفكيكٍ على حدة، هوية المؤلف سوف تعمل على خلط تلك الطبقات، بحيث يستحيل فصلها، وتنفرد هي وحدها بالتفسير. وبهذه الطريقة، يتم فرض الاستبداد في تفسير النص ونقده. ولذلك يقترح بارت نظريته الشهيرة "موت المؤلف"، وقراءة النص وتفسيره وكأن النص قد كتب بذاته! شيء يشبه كتب الأساطير والأديان القديمة، لا يعرف أحد من كتبها، لكنها الأصل في تفسير ما تلاها، وفي تفسير ظواهر حياتية وكونية. أظن أن رولان بارت يقترح أن يكون كل نص مكتوب بمثابة الأصل في تفسير ما سيليه، وهو، في ظني، إعلاء كبير لشأن النص. 

ولو أردنا تفسير هذه النظرية على المستوى البسيط، أي على مستوى قراءاتنا الشخصية، بعيداً عن طبقات النص وتفسيراته المتعدّدة والمركبة، لربما وجدنا أن "موت المؤلف" قد يكون ضرورياً لنكون حياديين في تقييمنا النص الذي بين أيدينا، فمعرفة الكاتب أو المؤلف فيها استبدادٌ كثير فعلاً في الحكم على النص، سواء أكانت معرفة شخصية، وهي، في حالة القارئ/ الكاتب، أمر يكاد يكون بديهياً، أو معرفة سيرة المؤلف وتاريخه وسلوكه النفسي وانحيازاته السياسية، في حال كان المؤلف ينتمي إلى زمن آخر أو بلد آخر أو لغة أخرى، على الرغم من أننا، في الحالة الثانية، سنكون أكثر قدرة على التسامح مع هوية المؤلف، وأكثر قدرةً على القراءة التي تحيد تلك الهوية، وبالتالي علاقتنا النقدية مع النص سوف تكون أقل استبداداً بشكل ما. 

حين يقرأ صديقٌ مقرّبٌ ومحبٌّ نصاً لي لن يتمكّن من أن يكون محايداً في تقييمه. سوف يراه من أهم النصوص التي قرأها، حتى لو كان النص عادياً أو لا يليق أن ينتسب إلى الشعر. لنكن واقعيين ونعترف بذلك. في المقابل، لن يحاول من يكرهني أن يبحث عن نقطة مضيئة واحدة في نصي. سوف يراه رديئاً، وسوف يراني لا أستحق صفة كاتبة أو شاعرة. لنكن أيضاً واقعيين ونعترف بهذا! (المعرفة حجاب) كما ورد على لسان النّفري. المعرفة تمنع عنا رؤية الحقيقة، تحجبُها عنا. لا نستطيع أن نكون حياديين في رؤيتنا لها. سوف نكون دائماً محكومين ليس فقط بمعرفتنا، بل بمشاعرنا أيضاً، فالحب أعمى كما يقولون. والحب هنا لا أقصد فيه الغرام، بل الحب بوصفه مجرّداً، بوصفه الميل والهوى والانحياز. وعكسه أعمى أيضاً. الكراهية "عمياء". لا يمكن أن نكون معها حياديين، مهما حاولنا. في تطبيقنا ذلك على النص أو على العمل الفني سوف نكتشف كيف أننا عاجزون عن قتل المؤلف أو هوية المبدع، سوف نكتشف كم أن المعرفة حجاب!

أعرف شاعرة تكتب نصاً جميلاً جداً وبالغ الحساسية، لكنها على المستوى الشخصي لا تشبه حساسية نصها مطلقاً، تملك من الشر والقدرة على الأذية ومحاولة التطهر والظهور بصفة ملائكية ما يكفي ليجعل كثيرين من معارفها يشعرون ببؤس حالها. وأنا أقرأ نصها سوف تقف صفاتها بيني وبينه، وسوف تجعلني أفهمه بطبقته الوحيدة: هوية الشاعرة وصفاتها التي أعرفها جيداً. أنا أظلم النص، وأظلم قراءاتي أيضاً. أعرف ذلك، لكنني أكرر القول إن المعرفة حجاب. لا أعرف أن أكون حيادية في أمر كهذا. الأمر ذاته مع روائي فذّ، لكنه بخيل إلى حد الدناءة، والبخل والدناءة، بالنسبة لكثيرين، صفتان تمحوان كل الصفات الإيجابية الأخرى. كيف سأكون حيادية في قراءتي نص كاتب أعرف كم هو دنيء النفس؟ سيقرأ أحد ما عمل هذا الروائي وسيراه عظيماً، ولن يكون مبالغاً أو مخطئاً. الفرق بيني وبينه أنني أعرف المؤلف بشكل شخصي، المعرفة التي تجعلني غير قادرة على رؤية الجمال في رواياته. أعرف كتّاباً كثيرين عن قرب، وأعرف صفاتهم الشخصية، مثلما يعرفونني ويعرفون صفاتي. وأكاد أجزم أن قلة منا تتمتع بالحيادية المطلوبة في عملية القراءة النقدية للنص الأدبي. ولعل ذلك ظهر أكثر في المواقف السياسية بعد الربيع العربي، الإصطفافات السياسية نسفت نصوصاً وأعمالاً رائعة نتيجة مواقف مؤلفيها، إلى حد إنكار منجز استثنائي لكاتبٍ ما لمجرّد إعلانه موقفاً سياسيّاً ما.