حتى يعود العراق دولة

حتى يعود العراق دولة

04 يناير 2022
+ الخط -

ربما ليس هناك أخطر من أن تكون الدولة معنى فارغ المضمون. ليس هذا فحسب، بل أن تتحوّل الدولة، بمفهومها الذي عُرفت به عقب الحرب العالمية الأولى واستكملته بعد الحرب الثانية، إلى واجهة لتنفيذ كل ما لا يمكن أن تقوم به دولة. ولعلّ ذلك بعض مما يجري في العراق بعد 2003.
ليس من باب المبالغة القول إنّ العراق اليوم يعيش في دوامة اللادولة التي حوّلت الدولة إلى مجرد مطية يُرتكب من خلالها وعبرها كل ما تريد أن تفعله. كل ما عليك أن تتابع تلك الأخبار القادمة من بلاد الرافدين، حتى تدرك حقيقة ما يجري هناك.
قبل أيام، فُجع العراقيون، أو على الأقل من لا يزال منهم يتابع أخبار بلدهم المترع بالموت، بحادثة تؤكّد من جديد على أنّ اللادولة في العراق تعيد إنتاج مفهوم الدولة بحسب ما تريده، حيث محت قوة أمنية عراقية قادمة من العاصمة بغداد أسرة كاملة في ناحية جبلة في شمال بابل، على بعد قرابة 85 كيلومتراً إلى الجنوب من بغداد.
تفاصيل القصة، بحسب ما روتها مصادر رسمية وأخرى محلية من أقارب الضحايا، تفيد بأنّ خلافاً عائلياً بين رب أسرة الضحايا مع زوج ابنته، الضابط في جهاز أمني في بغداد، قاد إلى أن يستغلّ هذا الضابط منصبه، ويوجه قوة عسكرية كبيرة إلى منزل الضحية، بحجة وجود إرهابي مطلوب من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولأنّ القوة في العراق تستعمل من دون وازع من رقيب أو رادع من قانون، دكّت القوة المهاجمة البيت على رؤوس أصحابه، ليتبيّن لاحقاً أن لا إرهابي موجوداً في الداخل ولا من يحزنون، وإنّما أسرة مؤلفة من 20 فرداً من بينهم 12 طفلاً وخمس نساء، قضوا جميعاً على يد الدولة التي ما عاد لها من اسمها شيء.

الانهيار الأكبر لمنظومة القيم المجتمعية في العراق كان ما بعد 2003، يوم تنكّرت الدولة لدورها

تجد أنّ غالبية الجريمة المنظّمة المنتشرة في العراق تعود إلى ما يجب أن يكون ضلعاً من أضلاع حماية المواطن. بمعنى أدق؛ فإنّ يداً لما تسمّى الدولة في غالبية تلك الجرائم، حتى لكأنّك تشعر، في لحظة معينة، بأنّ الدولة العراقية، بكلّ مؤسّساتها، هي التي تمارس الجريمة المنظّمة، وليس أشخاصاً انقلبوا على الفطرة السويّة للإنسان.
جرائم اغتصاب ينفذها منتسبو الأجهزة الأمنية، جرائم تهريب، جرائم قتل، جرائم التهم الكيدية، جرائم ترويج المخدرات، جرائم الخطف، جرائم السرقة، جرائم غسيل الأموال، وغيرها الكثير الكثير من الجرائم، كلّها تُمارسها الجهات التي يُفترض أنّها حامية للمجتمع وراعية للنظام.
نعم قد يكون العراق يعيش فوضى غياب الدولة، لكن لا يجب إغفال جوانب أخرى تسهم، هي الأخرى، في تغوّل هذا الانهيار الكبير الذي بات يقف العراق على أعتابه، ويتمثل ذلك في الانهيار القيمي لدى المجتمع، وهو أمرٌ قد لا يكون متهماً بالدرجة الأولى في ما يحصل اليوم من جرائم في العراق، لكنّه أيضاً يسهم بدرجة كبيرة في هذا الانهيار.
لقد مورست على المجتمع العراقي حملة قاسية من الضغوط، لم تبدأ بعد 2003 وحسب، وإنّما سبقت ذلك، وتحديداً خلال فترة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق عقب غزو الكويت عام 1990، إذ امتحنت منظومة القيم المجتمعية أشدّ امتحان، وتعرّضت لهزّات كبرى، لكن ما كان يميز تلك الفترة أنّ الدولة كانت موجودة، فلم تنهَر منظومة القيم بشكل كامل، وبقيت تحافظ على ما لديها من أصالة تستمدّها تارة من قيم دينية، وأخرى من قيم قبلية، وثالثة من قيم مجتمعية مدنية متحضرة، غير أنّ الانهيار الأكبر لمنظومة القيم المجتمعية في العراق كان ما بعد 2003، يوم تنكّرت الدولة لدورها، وفقدت ما لديها من هيبة، بل وحتى سلطة، لتكون مشاركة فعلية في انهيار منظومة القيم المجتمعية.

لا يبدو أنّ هناك قدرة وليس فقط إرادة للوقوف بوجه حالة الانهيار القيمي للمجتمع التي تستغل غياب الدولة

يقول أستاذ علم الاجتماع، علي ليلة، في كتابه "النظرية الاجتماعية وقضايا المجتمع – آليات التماسك الاجتماعي" إنّه "حتى يمكن أن نحافظ على التماسك الاجتماعي للمجتمع، من الضروري الانشغال بإصلاح البيت القومي من الداخل، إصلاحه من الناحية السياسية، الإصلاح التنموي والاقتصادي الذي يبدأ بالمواجهة الحاسمة للفساد" فهل تملك الدولة العراقية، أو ما بقي منها، تلك الإرادة لتحقيق ذلك؟ بغض النظر عن نيات هذا الفاعل السياسي الحاكم أو ذاك، لا يبدو أنّ هناك قدرة وليس فقط إرادة للوقوف بوجه حالة الانهيار القيمي للمجتمع التي تستغل غياب الدولة وتستخدم كل أدواتها من أجل تحقيق ما تريده وفعل ما تريده بالطريقة التي تريدها.
يعيش العراق اليوم حالةً من الانهيار القيمي الخطير، انهيار لو قيّض له لن يقضي على الدولة التي لا تبدو موجودة أصلا، وإنما سيقضي على التماسك الاجتماعي الذي ما زال يمثل الوجود الفعلي لبلد اسمه العراق. وبالتالي، يمكن أن تبدأ مقومات عودة العراق كدولة من هناك، من ذاك المجتمع التعدّدي، المجتمع الذي تترابط أطرافه القبلية والعرقية والدينية بوشائج أكبر ربما من مفهوم الدولة التي باتت شبه غائبة. عندها يمكن أن تُخلق الدولة، حتى لو كانت بمفهومٍ أقلّ مما يتمنّاه المرء.