حتى لا يتحول أمازيغ الجزائر إلى "كردستانيين"

حتى لا يتحول أمازيغ الجزائر إلى "كردستانيين"

17 يونيو 2021
الصورة

أسرة جزائرية أمازيغية في تيزي أوزو تحتفل بالعام الأمازيغي الجديد (12/1/2021/الأناضول)

+ الخط -

شكلت الانتخابات البرلمانية الجزائرية خطوة ولو صغيرة إلى الأمام، مع أن المشاركة فيها كانت ضعيفة ودون المستوى المقبول عالميا. في المقابل، لم تسجل خروق كبيرة تطعن في نزاهة الانتخابات، وتراجع حزبا السلطة، جبهة التحرير الوطني (الأفلان)، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الآر إن دي)، مقابل تقدّم الحزبين الإسلاميين المعارضين، حركة مجتمع السلم (حمس)، وحركة البناء الوطني، اللذين تصدّرا، على الرغم من عدم تحقيقهما الأكثرية التي تمكّنهما من تشكيل الحكومة. والمتوقع إن تتصدّر "حمس" المعارضة، وتشارك حركة البناء في الحكومة. ذلك كله كرّس الأمر الواقع من أيام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مع تغيير في الوجوه والقيادات، لكنه لم يعبر عن طموحات الحراك في تحقيق تغيير شامل.

ذلك كله، وسط محيط مضطرب وتراجع ديمقراطي حادّ في العالم العربي، خطوة صغيرة إلى الأمام، ففي الوقت الذي تصدر أحكام الإعدام الدموية في قضية فض الاعتصام في ميدان رابعة العدوية في القاهرة بحق قيادات الإخوان المسلمين، يحقق نظراؤهم في الجزائر نتائج متقدّمة في الانتخابات ويشاورون في دخول الحكومة. وما لا يقل أهميةً هو الاستقرار في الجزائر الذي يمكّنها من استعادة مكانتها مغاربيا وعربيا وأفريقيا. الجزائر قادرةٌ على المساهمة في ترتيب الوضع الليبي، وردع محاولات العبث في تونس، ودورها مشهودٌ ومقدّر في القضية الفلسطينية، رسميا وشعبيا.

المؤشّر المزعج في الانتخابات نجاح المقاطعة التامة في منطقة القبائل. صحيح أنها منطقة محصورة جغرافيا، ومحدودة ديموغرافيا بحدود المليونين، إلا أنها تشكّل مدخلا للعبث في الجزائر، فليس مقبولا لدى فرنسا وإسرائيل ومن حالفهما أن يظل بلد بوزن الجزائر، جغرافيا وتاريخيا واقتصاديا وعسكريا، موحّدا مقتدرا.

ليست مشكلة الأمازيغ، فالرئيس عبد المجيد تبّون نفسه من أصول أمازيغية (أمه أمازيغية لا تتقن العربية). والتجمعات الأمازيغية تشكل نحو ستة ملايين، منهم مليونان في منطقة القبائل، تيزي أوزو وبجّاية، وهم كانوا عماد الثورة الجزائرية وجمعية العلماء المسلمين، وشكّلوا حائط صدٍّ ثقافي في محاولات الفرنسة وتمييع الهوية الجزائرية التي تشكل مثلثا من الإسلام والعروبة والأمازيغية. المشكلة هي في التيار الأمازيغي العنصري الانفصالي المتفرنس المعادي للعروبة والإسلام، والذي يحظى بدعم فرنسي وصهيوني (ودوائر عربية لها مشكلات مع الجزائر). ويستفيد هذا التيار من الأخطاء التي ارتُكبت بعد انتصار الثورة الجزائرية، وبالغت في التعريب على حساب الخصوصية الثقافية الأمازيغية. ومع أن الدستور الجزائري الذي تم إقرار تعديلات عليه في 2020 أعاد الاعتبار للأمازيغية، إلا أن التيار الانفصالي لم يتراجع عن مواقفه المتطرّفة.

هذا يذكّر بموقف الأكراد في سورية، فحماقات حزب البعث حاولت طمس الخصوصية الكردية، وحوربت اللغة الكردية، وغُيّرت أسماء مناطق كردية، وهو ما خدم المتطرّفين الكرد المرتبطين تنظيميا وفكريا بحزب العمال الكردستاني. وبدعم أميركي وإسرائيلي و"عربي"، صارت قوات سورية الديمقراطية (قسد)، تتحكّم بالكرد بمشروع معاد للعروبة والإسلام، مع أن الكرد ظلوا في سورية حماة العلوم الشرعية واللغة العربية.

من المهم الانتباه إلى تجربة كرد سورية الذين ظل التيار الانفصالي ضعيفا فيهم، ولكن جرى دعمه وتضخيمه، وصار الصوت الأعلى. التيار الانفصالي الأمازيغي لا يعبر عن أكثرية أمازيغ الجزائر، ولا يمتلك مشروعا واقعيا، كل ما يستطيعه هو التخريب، فلا تملك منطقة القبائل موارد ولا جغرافيا ولا سكان يمكنونها من الانفصال. والمأمول أن يتمكّن الجزائريون من مواجهة التيار الانفصالي من خلال الثقافة الوطنية المنفتحة الجامعة، وبناء المصالح الحقيقية من خلال مشاريع التنمية، وبذلك تقطع الطريق على المشاريع الاستعمارية التي لم تتوقف بعد مغادرة فرنسا الجزائر مهزومة.