حتى لا تُهزم ثورة تونس

11 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

قد يكون العنوان مثيرا للتحفظ، خصوصا وأن كاتب المقال مصري، تشهد بلاده أكبر من انتكاسة ثورة إلى ما يشبه انكسار جيل حضر لمحطات التغيير، وشارك فيها، غير ما يوحي به من نصيحة. والشعوب كما الأشخاص، لا يتلقون النقد بصدر رحب، وما أكثر ما تضيق به النفوس في الأزمات. ولكن في ضوء خبرات التجربة المصرية، ومتابعة ودراسة أكاديمية لثورة تونس، يتبدد بعضٌ من التحفظ، في أن يبادر أحد الجالسين في صفوف المغلوبين في مخاطبة المتعثرين، خصوصا وأن ثورتهم كانت تمثل لقطاع من شباب الانتفاضات العربية مصدرا للأمل. وفي ملامح نجاحها أبواب لكتابة تاريخ الثورات من دون تعميم أنها أخفقت، وأن للثورات آفاقا مغايرة لا تنتج الحسرة، ولا تنتهي بالصراعات المسلحة أو عودة نظم مستبدة وهيمنتها.

ومع التسليم بأن الثورة صيرورة اجتماعية وسياسية، وإخفاقها ليس نهاية لتاريخ الشعوب، إلا أن امتلاك الأمل في التغيير يحتاج إلى توصيف لما يجري أو غرق في شعارات عمومية، فهناك ثوراتٌ تخفق وتنهزم، وأخرى تتعثر أو تنجح في تحقيق بعض مطالبها. وفي كل الأحوال التعاطي بموضوعية ضرورة ملحّة، من أجل تغيير الواقع. وفي السياق، أبرزت احتجاجات تونس، في ذكرى الثورة العاشرة، حيوية ظاهرة لدى قطاعاتٍ من الشعب التونسي، ورغبة لمراجعة مسار الثورة، فكانت الاحتجاجات أقرب إلى كشف حساب وتقييم لسياسات حكومات متعاقبة، غير أنها أبرزت تحدياتٍ من ضمنها صراع بين مؤسسات الدولة، الرئاسة والبرلمان والحكومة، غير صراع بين الشارع والسلطة، وصراع بين قوى سياسية. وهذا كله مؤشّر إلى أن مسار الثورة مهدّد، وأن التوافق بين قوى الثورة على برنامج لتحقيق مطالبها غير ممكن إذا استمرت معادلات الصراع والتحالفات السياسية بالكيفية نفسها.

من بين مؤشرات الخطر على ثورة تونس الحضور القوي لعملية شيطنة الاحتجاجات

ومن بين مؤشرات الخطر على ثورة تونس الحضور القوي لعملية شيطنة الاحتجاجات. وكان المطلوب حصر الفعل السياسي داخل أطر رسمية لا تتجاوز العملية الانتخابية. وعلى الشارع أن يكفّ عن التعبير عن مطالبه. ومع هذا الميل الذي يشابه حالة مصر في المرحلة الانتقالية، تعالت أصوات أجهزة الأمن بوصفها فاعلا سياسيا، وتعاملت بعنف ووسعت دوائر التوقيف، واستند ذلك إلى حملات تشويه الاحتجاج، وتعميم منظور المؤامرة الخارجية أداة لتحليل المظاهرات. وهذا المنظور سبق أن سوّقته نظم ديكتاتورية وما زالت تستخدمه لتبرئة نفسها، والتهرّب من المسؤولية، وتبرير القمع، وأن يستخدم في تونس يعني أن جوهر الديمقراطية مهدّد، وأنها مجرد أداة للوصول إلى السلطة، لا ممارسة من حق الجميع، تتضمن كل أشكال التعبير السلمي، غير ما يحمله ذلك من التعامي عن أسس الاحتجاج ومنطلقاته، ورصد انعكاسات مؤشّرات التهميش والبطالة ونقص مستويات التنمية وتفاوتها في الولايات، والتي توسعت من الجنوب والوسط حتى العاصمة تونس. وهذه المعضلات، بجانب ديكتاتورية بن علي وفساده، ومحاباة مجموعات المصالح، كانت تجسيدا للاقتصاد السياسي للثورة. وفي المشهد أيضا أن الاحتجاجات تحمل دلائل على ضيق قطاعاتٍ من إخفاق حكومات متتالية، وعجز عن تخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك يفتح الطريق إلى احتمالات، إذا اتسعت الأزمة، أن تبسط قوى مضادة للثورة بشكل كامل نفوذها وتقدّم نفسها بديلا في حال استمرار السياسات الاقتصادية نفسها.

ولا تنفصل أزمة السياسات الاقتصادية ونتائجها عن التحالفات السياسية والمشهد السياسي العام في تونس. وإذا كانت تحالفات حركة النهضة قد استطاعت تحقيق أغلبية برلمانية، فإنها لم تطرح سياسات بديلة لمعالجة الأزمات التي اندلعت على أساسها الثورة، فلا يمكن أن يكون حزب نداء تونس سابقا، وحاليا قلب تونس، يقبل بسياسات تحقق مطالب الثورة، والأخير يمثل كتلةً من مجموعات مصالح انتمت طبقيا وسياسيا لحزب التجمع الدستوري. لذا لم يكن غريبا أن تتشابه ردود الأفعال تجاه الاحتجاجات في الولايات، وأن تحاول قوات الأمن، بعد أن انتقلت المظاهرات إلى العاصمة، عسكرة الشوارع، ومنع التظاهرات. وفي هذا السلوك الذي ينتقص من الديمقراطية مؤشّر خطر على مسار ثورة ترى أنها أخرجت البلاد من دوائر الاستبداد إلى فضاء حرية التعبير.

إذا كانت الديمقراطية الناشئة تضيق بالاحتجاج الاجتماعي، فما الطريق إلى التعبير، خصوصا مع أحزابٍ انفض عنها جمهورها، حين غرقت في خلافاتٍ لا تخصهم

الاستناد إلى التدخلات أو المؤامرات الخارجية، أو ميل النظم القديمة إلى الاستيلاء على الحكم، حل سهل ومريح ويعفي الجميع من المسؤولية، لسنا في حاجةٍ إلى مناقشة بديهيات، أن هناك أطرافا سياسية في الخارج والداخل تسعى إلى تحقيق مصالحها، ومن الطبيعي أن تنشط الساحات الإقليمية والدولية في ظل الحراك والأوضاع الاستثنائية التي تشكل خرائط جديدة، وتحاول كل منها حجز مكانها وتقوية نفوذها في المشهد الجديد، وكل الأحداث الاستثنائية، كالثورات والانقلابات والصراعات المسلحة. لكن التعويل على التدخلات الخارجية تفسير أحادي قاصر يستخفّ بالعقول ويعفي من المسؤولية، ومحاولات النظم المستبدة العودة إلى المشهد بديهي، ولا استثناء في تاريخ الثورات الحديثة عن محاولات جماعات النفوذ السياسي والاقتصادي في الدفع برجالها إلى السلطة، للحفاظ على مصالحها الطبقية بعد الثورات، وأن تسعى إلى امتلاك مصادر القوة من خلال العملية السياسية ووسائل الإعلام، وحتى استخدام أجهزة أمنية، وعسكرة الساحات وتضييق الخناق على الفضاء السياسي، حتى تعيد امتلاكه منفردة كما كانت، وتتمظهر في السوق الاقتصادي والنشاط السياسي.

وإذ كانت الديمقراطية الناشئة تضيق بالاحتجاج الاجتماعي، فما الطريق إلى التعبير، خصوصا مع أحزابٍ انفض عنها جمهورها، حين غرقت في خلافاتٍ لا تخصهم، وفي ظل سياسات حكوماتٍ تعيش أجواء المرحلة الانتقالية، لا تستطيع اتخاذ سياساتٍ بديلة على الصعيدين، الاجتماعي والاقتصادي، ومن المشهدين السياسي والاقتصادي، يتشكل مسارٌ يعاود التذكير بانتهاك الكرامة.

ومن ملامح الخطر أيضا انفضاض جماهير الثورة عن الفعل السياسي المنظّم، لشعورها بأن العمل والانضمام للأحزاب لم يجلب سوى الهزائم والخيبات، وأن السلطة لا تستمع إلى مطالبهم التي رفعوها في أتون الثورة. عندما شوهت الاحتجاجات الاجتماعية في مصر، شعرت قطاعات من جمهورها بأن قادة الثورة والفعل السياسي من أحزاب وقوى غير جديرين بكسب الثقة، وأن بعضا من شعاراتٍ رفعها هؤلاء القادة، وتماست معهم، أصبحت مفرغة، مجرّد أدوات للتعبئة والوصول إلى السلطة. لذا انفضّت قطاعات شعبية عن العملية السياسية، واستطاعت الثورة المضادّة كسب أرضيةٍ حول سرديتها بأن الثورات مؤامرة لم تنتج سوى الخراب والإرهاب وافتقاد الأمن الشخصي والمجتمعي. وأصبحت صورة السياسي كاذبا متلاعبا بالشعارات الوطنية والاجتماعية والدينية، لم يعد أغلب السياسيين يمتلكون تأثيرهم السابق.

ممارسة النقد الذاتي شرط للتغيير في هذه اللحظة، سواء في تونس أو غيرها من بلاد الثورات والانتفاضات العربية

في مقابلة ضمن رسالة ماجستير عن أثر الحراك الشبابي في ثورتي مصر وتونس، سأل الكاتب أحد الشباب من قادة الحراك الاحتجاجي في سيدي أبو زيد عن أسباب ترك الشباب العمل الحزبي، كان رد الشاب الذي يعمل بعقد هش في العاصمة تونس "نحن لم نترك أحزابنا، أحزابنا هي التي تركتنا"، بينما أمام المسرح البلدي واتحاد الشغل في العاصمة، وفي ولايات وسط تونس وجنوبها، كانت احتجاجات المعطلين متواترة خلال خمس سنوات مضت، حتى ملف المفرزين أمنيا، والذين حرموا من العمل لمعارضتهم سلطة بن علي لم ينته، وظلت معاناة عديدين من شباب الثورة باقية، منهم من يردّد الشعار نفسه الذي رفع في الحوض المنجمي وسيدي بوزيد، قبل 14 يناير/كانون الثاني 2010، "التشغيل استحقاق يا عصابة السرّاق".

أحد الأخطاء الكبرى أن يتم نفي قطاعات شعبية من المعادلة، وأن تفرغ العملية السياسية والديمقراطية من مضمونها، وأن يكتفى ما آلت إليهم السلطة بنتائج الانتخابات بوصفها مظهرا وحيدا للديمقراطية، ويتم تجاهل الأزمة وتجنيب الحوار مع هيئات تمثل قطاعات شعبية كالمجتمع المدني والنقابات، وحتى الأحزاب التي لم تمتلك ثقلا في البرلمان، لكنها ذات تأثير في الفعل السياسي، كما أنه من الصعب اختصار الأزمة في صراعات سياسية في البرلمان، أو بين مؤسسة الرئاسة والحكومة، وإن كانت تلك الصراعات ليست منفصلة الصلة عن الأزمة التي تمرّ بها ثورة تونس. وإذا كان في مقدور قطاعاتٍ أن تحتج وتحاسب متخذي القرار ومقرّري السياسات ضمن صراع سلمي يحقق تقدما يخلق تراكما لصالح مطالب شعبية، فهذا، بجانب الحوار السياسي والمجتمعي حول مطالب الاحتجاج، أفضل من سيناريوهات بديلة، إذا استمرت أزمة الشارع.

 امتلاك الأمل في التغيير يحتاج إلى توصيف لما يجري أو غرق في شعارات عمومية

ليس من يخرّب ثورة تونس، كما تحب أن تروج أقلام في تونس وخارجها بحكم اصطفافات حزبية عابرة للدول، مؤامرات خليجية. المشكلة أعمق من محاولات التأثير الخارجي، والذي لا ينشط إلا في أتون الأزمة السياسية والاقتصادية، أي أن الأزمة في الداخل بالأساس، وأن البلاد لم تبرح مربع المرحلة الانتقالية. وقوى التغيير تبني تحالفاتها على أسس لا علاقة لها بأهداف الثورة ولا شعارات التغيير، والسمة التي كانت تميز المسار الانتقالي من قدرةٍ على الحوار وإعلاء مبدأ التشاركية والمواءمة انحسرت وساد مبدأ التغلب. ويستلزم أن تتجاوز تونس أزمتها، ضمن خطوات ضرورية، أن تبني كل قوى التغيير تحالفاتها على أساس برنامج الثورة، وإعلاء مبدأ الحوار، والإيمان بأن الديمقراطية في سيرورة الثورات، وعموما ليست الصناديق وحسب. وكذلك أن تعيد قوى الثورة تأمل خرائط التحالفات وأساسها، بما فيها قوى اليسار التي يمكن أن تكرّر أخطاء ثورة مصر، وتبني تحالفاتها على أساس هوية تونس ورؤى ثقافية، وتهمش الجوهر الاجتماعي لليسار الذي كان قد واجه، بقدر ما امتلك، سلطة بن علي، عبر تحالفات سابقة على الثورة، على الرغم من محدوديتها، تركت أثرا مهما ووازنا. أما عن أزمة تشكيل الحكومة فإنها ستمر في أي حال، وهي إحدى انعكاسات الأزمة، وليست جوهرها، وإن كانت تخضع لعملية التنافس والتوظيف، ولتجاذب مبني على مشهد الأزمة الاجتماعية والسياسية التي هي أكبر من مواجهة بين الرئيس قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي.

ممارسة النقد الذاتي شرط للتغيير في هذه اللحظة، سواء في تونس أو غيرها من بلاد الثورات والانتفاضات العربية، والتي بدأت وحضّر لها وتسلحت بالوعي والإيمان بالانتصار، لكنها أخفقت في تنفيذ برنامجها، لأخطاء متعدّدة، وظروف ذاتية وأخرى موضوعية، تخصّ بنية الدول والمؤسسات وحال الاقتصاد. لكن الظروف الموضوعية لن تتغير أو يمكن التغلب عليها من دون رؤية للظروف الذاتية التي تخصّ قوى الثورة، ومن شاركوا في الحكم منها، والفاعلين في المشهد السياسي. إدراك الوقائع والأخطاء ومراجعتها مهم، سواء في تونس أو مصر أو بلاد أخرى شهدت ثورات. وهذا الوعي وإدراك الأخطاء يمهدان لإعادة بناء الإيمان بالانتصار، وضمان أن ما قدّم من تضحيات وجهود متراكمة سينتج مشهدا مختلفا للثورات. وحتى المكبلة أيديهم في السجون أو العاجزين بين جدران بيوتهم والمحاصرين، غير من أعادوا مشهد التغريبة ليس بإمكانهم أن يردّدوا "نفعلُ ما يفعلُ السجناءُ نُرَبِّي اَلْأَمَل" من دون مراجعة للمشهد وإعادة كل الفاعلين في الثورات كتابة تاريخها ومراجعة منطلقاتها وبرامجها.