حتى أقرب منعطف

حتى أقرب منعطف

07 ديسمبر 2021
الصورة
+ الخط -

ظهرت معظم الدول العربية بحدودها الحالية نتيجة تقسيماتٍ استعماريةٍ مختلفة، أشهرها اتفاقية سايكس بيكو، فقبل ذلك، أيام الدولة العثمانية وما سبقها، كانت هذه الدول ضمن تشكيلاتٍ إداريةٍ مختلفة أخرى، مبنية على أسس متعدّدة (مثال بلاد الشام). وكانت تشمل مناطق مختلفة من الدول الحالية، حيث يمكن أن نرى عدة مدن من دولتين مختلفتين حاليا تقع ضمن ولاية واحدة أيام العثمانيين، وكان الدم يغلب على الرابط الذي يجمع سكان هذه الولاية أو تلك، وما يدلّ على ذلك أسماء العائلات التي تتوزّع على طرفي خط الحدود الذي وضعه كل من سايكس وبيكو، من المفترض، بطبيعة الحال، ألا يعترف أفراد العائلة الواحدة المنتشرون حول الحدود بخطّ وضعه أجنبي مستعمر، لا خبير استعان البلد به. ولكن الحقيقة تدعو إلى الخيبة، فبدلا من عودة الأمور إلى ما كانت عليه، بعد انصرام سايكس وبيكو، نرى أنه بعد عقود على انتهاء ذلك الوضع ليس فقط لم يتغير شيء ولو جزئيا، بل تكرّس بشكلٍ أصبحت معه التشكيلات الجديدة صعبة التفكيك، فقد تشكّلت شعوبٌ لم يكن لها وجود قبل مائة عام على أكثر تقدير، وأصبح أبناء العمومة الذين مر بينهم خط سايكس بيكو أبناء شعبين مختلفين، وبات كل منهما مستعدّأ لحمل السلاح بوجه الآخر دفاعا عن هذا الخط.
وقد تم العمل على تشكيل شخصيةٍ متميزةٍ عن غيرها ضمن كل بقعةٍ حدوديةٍ جديدة، بحيث اصبح لكل جماعة من هذه الجماعات لقب ما يميزها عن الجماعات الأخرى التي كانت تشكّل معها كتلة واحدة قبل حين، وقد نجح الساعون إلى تقوية هذه التشكيلات الجديدة في إيجاد هذا التمايز إلى درجةٍ جعلت نفحة عنصرية وشعورا مزيفا بالتفوّق يسودان العلاقة بين هذه الجماعة وتلك. وإذا انتقلنا من الحدود إلى رمز آخر من رموز السيادة الوطنية، وهو العلم الذي يُشاع أن من قام بتصميمه مارك سايكس وزير خارجية بريطانيا في 1917، وأرسل تصميمه إلى المفوض الأعلى في مصر على شكل رسوم ومواصفات لأعلام دول عربية، اعتذر، في نهايتها، عن السرعة التي "سلق" فيها هذه الأعلام، لأن وقته لم يسمح بأكثر من 25 دقيقة لخربشتها، هذه المواصفات التي وضعها سايكس تشكل الآن أعلاما لحوالي عشر دول عربية، وأضيف حزب البعث إلى الذين صممت لهم فرنسا أعلامهم.
وبطبيعة الحال، إن أحدا بعد رحيل سايكس ودولته لم يفكّر بعلم يحتوي على رموز تنتمي لتاريخ هذه الدول، بل يقف الملايين تحت ساريته كل يوم، ويؤدّون التحية على أصوات طبول (وصنجات) الأناشيد الوطنية التي تستحق، هي الأخرى، بحثا خاصا بها، من نافل القول إن سايكس لم يغادر هكذا تاركا المنطقة من دون عنايته، فهو من أجل حراسة تلك الحدود التي وضعها، ترك حرّاسا مخلصين لتلك الحدود، ربطت مصالحهم بها مباشرةً، بحيث يصبح من المستحيل لديهم التفكير بالتخلّي عن المكاسب التي تحققها تلك الحدود، لا بل إنهم يحشدون الجيوش على طرفيها، لكي لا يتم مسحها عن الخريطة، وتساعدهم في ذلك القوى العظمى والقوى الإقليمية ذات النفوذ. ولكن هل حاولت الشعوب التخلّص من ذلك؟ لم يحصل هذا، ولا نصادفه إلا في أدبيات بعض الأحزاب، ولكن هذه الأحزاب لم تكن، خلال تاريخها، أكثر من نافخي أبواق وقارعي طبول وطارحي شعارات هم أنفسهم عاجزون عن تطبيقها، وأكبر مثال حزب البعث الذي استولى على السلطة في العراق وسورية. وبدلا من أن يوحد البلدين جعلهما ألدّ الأعداء. أما الشعوب فهي، لأسباب كثيرة، أهمها أنها لا تشعر بالمواطنة، وبالتالي بالانتماء للبلد الذي تعيش فيه، مستعدّة دائما للانقياد وراء أي مشروع تقسيمي. وربما تشعر هذه الجماهير بعد أي مشروع تقسيمي بنوع من الراحة من وضع سيئ تفرضه هذه الوحدة الوطنية التي ستستمر ربما إلى أقرب منعطف قابل للافتراق. لذلك ربما لن نأتي بجديد إن قلنا إن بناء الأوطان يتم بشكلٍ متواز مع بناء المواطن. وبغير ذلك، لن نستبعد أن تفصل حدودٌ ما مقبلة بين جارين يسكنان في حارة واحدة.