حاشية في انتخابات برلمان العراق

حاشية في انتخابات برلمان العراق

15 سبتمبر 2021
الصورة

لافنة مرشح في الانتخابات النيابية العراقية في الموصل (5/9/2021/فرانس برس)

+ الخط -

لا يختلف اثنان من العراقيين، إذا استثنينا حفنة رجال الطبقة السياسية الحاكمة ومريديهم، في إدراك أن لا شيء جذريا سوف يتغير بعد العاشر من الشهر المقبل (أكتوبر/ تشرين الأول)، موعد إجراء الانتخابات البرلمانية الموعودة، وأن "غودو" لن يجيء. وسوف يبقى الحال كما الآن، لأن الذين يعيدون إنتاج "العملية السياسية" الماثلة جاثمون على صدورنا على مدار الساعة، مثل حجارةٍ صلبةٍ لا تتعرّض للتفتيت، لمجرّد أننا نضرب عليها برفق. لكن ما دمنا في الأيام القليلة التي تسبق الحدث، فلا بأس من أن نضع أيدينا، مرة أخرى، على الجراح التي أدمت قلوبنا وعقولنا عقدين، وأن نضع بعض الأفكار والملاحظات، ليس أمام من يدرك حقائق المرحلة ويعرف أبعادها، بل أمام الرؤوس التي لا تزال تُحسن الظن بنيات رجال الطبقة الحاكمة. وحسن الظن في هذه الأيام معجزةٌ لا يمكن اجتراحها بسهولة. وقد نصحنا، في سالف الأزمان، الطغرائي صاحب "لامية العجم"، بعدما عاش أياما صعبة مثلنا، نصحنا أن لا نظن خيرا بالأيام، إنما نظن بها شرّا، ونكون منها على وجل!

وإذ تابعنا سجالات ووجهات نظر ظهرت في صحف وفضائيات ومواقع تواصل، ورصدنا ما تفوّه به من يدين بالولاء لهذا الحزب أو تلك المليشيا، أو من هو مرتبط بذاك "الزعيم" أو حتى من "ناشطين" مزعومين أو "محللين" يدارون لقمة عيشهم، لم نلمس ما يشكّل خيط أمل في أن يفكّر أحدٌ من رجال الطبقة الحاكمة أو اللائذين بها من العمل على تغيير الحال الذي يعاني منه مواطنوهم، أو أن يسعى إلى إيقاد شمعةٍ في آخر النفق الطويل، أكثر من ذلك ذكّرنا مسلكهم الشائن هذا بالمقولة السوداء التي أطلقها إبّان ولايته الأولى، نوري المالكي، زعيم حزب الدعوة، أن "ما ننطيها"، أي أننا غير مستعدّين للتراجع عن مبدأ "القبض على السلطة"، وسنعضّ عليها بالنواجذ. وقد استقرّت تلك المقولة في أذهان كل رجال الطبقة التي حكمت العراق عقدين، بمن فيهم من رفع شعارات "وطنية" أو أقام مؤتمراتٍ "تاريخية"، لتغيير الحال، ثم نراه وضع ذلك كله وراء ظهره، وكشف عن حقيقة أمره عند صياح الديك، باحثا عن بقايا موائد من كان خصما لهم.

أمرٌ محبط أن نرى الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد

وإنه لأمرٌ محبط أن نرى هذا الازدراء اللامتناهي من رجال الحكم للإرادة الشعبية التي طالبت بالتغيير الجذري والشامل الذي يُنقذ البلاد، ويستعيد الوطن الذي اغتصبه الأفّاقون واللصوص وسدنة الأجنبي، وأن يلتفّ هؤلاء حول مطلب "الانتخابات المبكرة"، ليفرغوه من معناه، ويحوّلوه إلى سلاح بأيديهم، مع أنه واحد من حزمة مطالب متكاملة، طرحها الحراك الشعبي الذي دعا إلى حكومةٍ انتقالية، تتولى محاكمة قتلة الثوار، وحصر السلاح بيد الدولة، وحل المليشيات، ومكافحة الفساد، ووقف نهب المال العام، وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين، وتوفير الخدمات العامة، والتحضير لانتخابات مبكّرة، نزيهة وشفافة وحرّة، لكن تلك المطالب انحسرت عن ذاكرة كثيرين. وفي مقابل ذلك، وجدنا إصرارا على ادامة الحال، والسعي إلى إعادة إنتاج "العملية السياسية" الطائفية التي شرعنها الأميركيون، واستثمرها الإيرانيون في فرض هيمنتهم. وسمعنا مزاعم متحدّية أنه إذا كان هناك من يريد إسماع صوته وعرض مطالبه، فعليه أن يشارك، وأن يعطي صوته لمن يشاء، مساهما في إرساء لبنةٍ في ما يسمونه "البناء الديمقراطي" الذي هو غير موجود أصلا. وهذا نموذجٌ لتبريرات واهية، وخدع مضللة، غرضها تكريس الوضع الحالي، وإعادة إنتاجه مع بعض الرتوش والأصباغ التي تضمن إضفاء "صدقيةٍ" كاذبةٍ قد تملأ عيون بعض من يراقب من معنيين إقليميين ودوليين، وحتى من "مواطنين" بسطاء، يقترفون معجزة حسن الظن بأيامهم التي أورثتهم النكد والمرض وسوء الحال. والمثال القريب عن انخداع معنيين "دوليين"، جينين بلاسخارت، ممثلة الأمم المتحدة في العراق التي لعبت دورا "هجينا"، عندما أعطت دعمها العملية الانتخابية، اعتمادا على وعود زائفة لمسؤولين، مع أنها كانت تحدّثت أكثر من مرّة عن اشتراطاتٍ ينبغي أن تتوفر لجعل العملية إياها "نزيهة وشفافة وعادلة"، وهي تعرف، وهذا من واجبها، أن الحد الأدنى من "النزاهة والشفافية والعدالة" لم يتوفر، ولن يتوفّر، ما دام القابضون على السلطة فيهم الخصام، وهم الخصم والحكم.

وهكذا يكتمل بناء "السيناريو" الذي سوف يبقينا في قعر الهاوية سنواتٍ أربعا أخرى، إلا إذا انقلب السحر على الساحر..، من يدري.