جيل محمّد أبو الغيط
ثمّة واحد في كل جيل يمكنك أن تقرأ تجربة جيله كلّه من خلاله، وأن تتخذه معياراً، لتقييم حقبته وسياقه السياسي والاجتماعي، ذلك في جيلنا هو محمّد أبو الغيط. لا تمنحنا ذكراه فرصةً للكلام عنه، فهو لا ينقطع، لكنّها تمنحنا فرصة للكلام عنّا. كان أبو الغيط حادّ الذكاء حادّ العاطفة، يدفعه عقله إلى فهم الحياة، وتدفعه مشاعره إلى مغادرتها، يعرف كيف يعيش فيموت، يتساقط غما كالشعراء (كما يقول محمود درويش) رغم ما يبدو في كتاباته ومداخلاته من واقعية وتعقّل، إلا أنّ من اقترب منه ويعرفه، يعرف أنّ واقعيته (في واقعها) محاولة جادّة وواعية للمقاومة، مقاومة واقعه الشخصي قبل السياسي والاجتماعي، لأنه ذلك الذي يحبّ بلدا لم يحبّه، ولم يحبّ جيله، ولم يحبّ نفسه، حتى باتت مغادرته هي شرط الاحتفاظ به والانتماء إليه، كما أنها شرط النجاة والنجاح الوحيد و"الحقيقي".
حصل محمّد أبو الغيط في عمره القصير (1988- 2022) على كل شيء، إلا عمره، حياة شخصية ومهنية وإنسانية واسعة، وتجارب سياسية لم يحصّلها غيره في ثلاثة أضعاف عمره، شارك في ثورة بلاده (ودعم غيرها من الثورات العربية) وشهد على انقلاب عسكري في بلاده (ومثله في بلدان عربية أخرى)، وعاين التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، واختار (منذ البداية) أن ينحاز إلى الفقراء، فكانت أولى تدويناته الثرية "الفقراء أولاً يا ولاد الكلب"، هكذا بوعي… وبغضب.
ولد في أسيوط ودرس الطبّ، وذهب إلى القاهرة، وعمل بالصحافة، وبرزت تحقيقاته ومقالاته، قبل أن يغادر هارباً بوطنه من اعتقال في "بوست" أو رصاصة في مظاهرة، كسبته بريطانيا وهناك في الصحافة الاستقصائية. وفاز بكل الجوائز، لاحقته التكريمات، كأنّها تعرف وقت النهاية منذ البداية، أول جائزة (في مصر) كانت في العام الأول من مسيرته المهنية، جائزة مصطفى الحسيني للصحافة العربية، عن مقاله "وكأنّ شيئاً لم يكن" (المصري اليوم، 2012). ثم انطلق بعدها ليحصد جوائز إقليمية وعالمية، أبرزها جائزة سمير قصير في حرية الصحافة عن مقاله "موسم الموتى الأحياء" (الشروق، 2014) وجائزة رابطة مراسلي الأمم المتحدة عن تحقيقه "المستخدم الأخير" عن الحرب في اليمن (دويتشه فيله، 2018)، وكذلك جائزة ريكاردو أورتيغا التذكارية (2019) عن التحقيق نفسه، وجائزة فيسيتوف للصحافة عن مقاله الاستقصائي (بالاشتراك مع نيك دونوفان وريتشارد كينت) الذي كشف شبكات تمويل سرّية لمليشيا قوات الدعم السريع، وتنبّأ بكل ما حدث ويحدث الآن في السودان (غلوبال ويتنس، 2020).
ولا تنتهي قائمة الأعمال الفارقة والإنجازات المهنية والجوائز والتكريمات، حتى الموت لم ينهها، وظلّت مستمرةً متمثّلة في مبيعات كتابه الذي أودعه خلاصة تجربته ونشرته دار الشروق المصرية، "أنا قادم أيها الضوء"، الذي حصل على جائزة ساويرس الثقافية، وظلّ ثلاث سنوات متواصلة في قائمة الأكثر مبيعاً في مكتبات "الشروق"، والأكثر قراءة في تطبيق "أبجد".
ولكن… ثمّة أشياء فشل أبو الغيط في تحقيقها، أرادها ولم ترده، ليس لعجز في الإرادة أو الفعل، بل لأنها لا تتعلّق به، بل ببلاده، بالدولة المصرية، أراد (مثل أغلب أبناء جيله) أن يعيش في مصر ولم يستطع، أراد أن يستمرّ نجاحه الذي بدأ في مصر في 2012، فجاءت 2013 لتجهز عليه وعلى جيله وعلى مصر نفسها، أراد بعد اكتشاف مرضه أن يعود إلى مصر ويلقي نظرةً أخيرةً قبل الرحيل، الذي كان يخبرنا أنه وشيك وحتمي. وحين نعزّيه ببعض الأمل يقول في أسف: كنت أتمنّى أن يكون كلامكم صحيحا، لكنّني طبيب. ورفضت الدولة المصرية أن يعود محمّد أبو الغيط إلى بيته، وأطلقت كتائبها الإلكترونية عليه، في حياته وبعد موته. طالب محمّد في أيامه الأخيرة بالإفراج المُستحَقّ عن والد زوجته وأبيه الثاني الدكتور السيد حسن شهاب (عميد كلية الهندسة بجامعة حلوان)، ولم يجبه أحد. ثم أراد أخيراً أن يُدفن في مصر، ولم يعن ذلك أيَّ شيء، لأيّ أحد.