جيزال حليمي... بين الحقيقة والتزييف

30 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:48 (توقيت القدس)
+ الخط -

قد تتحوّل ذاكرة الشخصيات النضالية الكبرى، مواقفها ومعاركها المثبتة، موضوعَ صراع وأخذ وردّ، عندما يعاد تشكيلها بالتلاعب بها، وصولاً إلى تزييفها. هذا ما يصيب حالياً المحامية والسياسية والكاتبة التونسية الفرنسية الراحلة، جیزال حلیمي، وهي الناشطة التقدّمية التي توفّيت عام 2020، وصارت موضوع فيلم يُتوقّع إطلاقه عام 2026. فيلم يتناول محاكمة بوبيني الشهيرة، حين تولّت حليمي الدفاع عن مراهقة (16عاماً) أُجهِضت بمساعدة والدتها، حين كان الإجهاض لا يزال ممنوعاً في فرنسا (قبل ثلاث سنوات من منع تجريمه). أمّا دور البطولة، فأُسند إلى الممثلة الفرنسية شارلوت غينسبورغ، ما أثار اعتراضات عديدة في وسائل التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى إطلاق عريضة تحت عنوان "دعونا نرفض التجسيد المزوّر لجيزال حليمي من شارلوت غينسبورغ"، لأن "حليمي ليست دوراً، إنها خطّ، شرخ، وذكرى ترفض الحياد". وفي 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، وقّعت غينسبورغ، إلى جانب عشرين شخصية، رسالة مفتوحة تدعو الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى ربط الاعتراف بدولة فلسطينية بـ"إطلاق سراح الرهائن" الإسرائيليين و"تفكيك حماس"، مع ضرورة اعتماده "الواقعية"، واعتبار الاعتراف بفلسطين "استسلاماً أخلاقياً أمام الإرهاب"، وقد ضمّ الموقع الرسمي للرسالة أسماءَ بارزة ومعروفة بكرهها العرب والإسلام، وانحيازها لإسرائيل وسياساتها العنصرية والمجرمة ضدّ الفلسطينيين، من أمثال برنارد هنري ليفي وآلان مينك.
وقد صدم هذا الموقف سيرج حليمي، ابن المحامية، ما اضطرّه إلى أن يتحدّث عن "قرف" والدته الحتمي لو قرأت رسالة كهذه، مذكّراً بأن والدته كانت على الدوام متضامنةً مع غزّة، فهي التي كتبت (يوليو/ تموز 2014) في صحيفة لومانيتيه: "شعبٌ بلا سلاح يُذبح أمام أعين العالم. التاريخ سيحكم، لكنّه لن يمحو الخراب"، بالإضافة إلى نضالها طوال حياتها ضدّ كل أشكال الإمبريالية، من فيتنام إلى الجزائر، ومن كوبا إلى فلسطين، لذا فإنّ تخيّل أن حليمي كانت ستؤيّد مثل هذه الرسالة يُعدّ تحريفاً للواقع التاريخي، واستغلالاً للذاكرة.
هل يتعلّق الأمر كلّه بميل المجتمع الفرنسي إلى الذاكرة الانتقائية؟ فتراه يفضّل الاحتفاء بحليمي من خلال تناول انتصاراتها التي أصبحت مقبولة اجتماعياً: إلغاء تجريم الإجهاض، تجريم الاغتصاب، دفاعها عن النساء خلال محاكمة بوبيني المذكورة أعلاه. أمّا نضالاتها الأكثر إزعاجاً وإقلاقاً إذا صحّ التعبير، أي تلك التي تسير عكس التيار، وتهزّ التحالفات الغربية، فيُصار إلى تناسيها وتهميشها، مثل معارضتها الحروب في الخليج وكوسوفو، ورفضها معاهدة ماستريخت، ودعمها الناشطين الباسكيين، وبالأخصّ تضامنها الثابت مع الشعب الفلسطيني، فيتبدّى أنّ ذلك كلّه مصيره المحو من الذكرى الرسمية.
والحال إن توقيع شارلوت غينسبورغ على رسالة تتجاهل جرائم الحرب الإسرائيلية، التي صنّفتها منظمات دولية عديدة جرائم محتملة ضدّ الإنسانية، يُعيد إلى الواجهة الوجهَ المهمل والمنسي من حياة حليمي، فهي قد شاركت في محكمة راسل بشأن فلسطين، ودافعت عن مروان البرغوثي، وانتقدت بلا هوادة الظلم الواقع على الفلسطينيين. هذا الجانب من تاريخها النضالي يُزعج، وما يعيده إلى الصدارة اليوم، يوضّح التباين الحادّ، مضافاً إليه سخرية مُرّة، إذ ستبرز حليمي بطلة ورمزاً للشجاعة والعدالة، من خلال إعادة تمثيل محاكمة بوبيني، في حين توقّع الممثلة التي تجسّدها موقفاً يعاكس قناعاتها الأعمق؛ تباين لا يمكن تجاهله عندما ستُسأل غينسبورغ عن الفارق بين دورها ومواقفها، ويكون عليها تقديم إجابة، ومفارقة تذكّرنا بأن شخصية مثل حليمي لا يمكن اختزالها في انتصارات "مفيدة" و"مَرضي" عنها، هي التي لم تكن تفصل بين نضالات النساء في فرنسا ونضالات الشعوب المستعمرة في الخارج، وترفض ترتيب المعاناة، وترى في العدالة أفقاً عالمياً، لا خريطة انتقائية.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"