جنّة اللصوص

جنّة اللصوص

26 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

حكاية تُنسب إلى قراقوش ما (إعداد وإعادة صياغة)
بينما كان لصٌّ يتسلّل إلى أحد المنازل عبر النافذة، انزلقت قدمه وسقط كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ، فوق حجارة الطريق، وكسرت يده، وأصيب بكسورٍ أخرى في الأضلاع، ما جعله يشعر بحنقٍ كبير نحو صاحب المنزل الذي ربط أمام الباب كلباً شرساً، ما اضطرّه للدخول من النافذة المشؤومة، فتوجّه من فوره إلى الوالي وشكا له أمره، فشعر الوالي بحنقٍ شديدٍ على الرجل صاحب المنزل، وأشفق على اللص، وطلب من شيخ العسس أن يتوجه إلى المنزل، ويجري تحقيقاً حدّد فيه سبب سقوط اللص المحترم. وبعد تمحيص وتدقيق، اكتشف شيخ العسس سبب ذلك، فقد كان الحجر الذي تشكلت منه حافّة النافذة مائلاً وأملس، ما أدّى إلى تزحلق اللص. ومن فوره، أبلغ الوالي الذي أمر بنصب مشنقةٍ على تلك النافذة، وتعليق صاحب البيت بها، ليكون عبرة لمن اعتبر. احتجّ صاحب البيت على هذا القرار، وصرخ قائلاً:
ـ يا عمّي، ما علاقتي أنا بحافة النافذة، مائلة كانت أم مستوية؟ إنّه ذلك البنّاء اللعين  الذي لا يتقن عمله، ما يجعل اللصوص يتزحلقون عن حوافّ النوافذ، ويتسبب في الخلافات بين البشر.
اقتنع الوالي بكلامه، وطلب أن يحضروا البنّاء ويشنقوه على تلك النافذة، لكنّ البنّاء أخذ ينتحب، متسائلاً:
ـ وما ذنبي أنا، يا شيخ عسسنا الجليل؟ هذه أول نافذة مائلة أبنيها في حياتي، فكل نوافذي مستوية، ولم يسبق أن سقط من فوقها لصٌّ ولا عشيق والحمد لله .. الذنب يقع على تلك الحسناء، ذات الثوب الأحمر التي مرّت تتبختر في ذلك اليوم الذي بنيت فيه النافذة، جعلني أغفل عن عملي، وألاحقها بعينيّ، ما تسبب بهذا الخطأ الفاحش.
طلب الوالي القبض على الحسناء، وطلب من شيخ العسس أن ينصبَ لها مشنقتها في المكان الذي خطرت فيه، عندما لاحقها البنّاء بعينيه وأهمل عمله، فأخذت الفتاة تنتحب وتقول:
ـ ما ذنبي إن كان لون ثوبي أحمر .. وهل أنا من صبغه بهذا اللون اللعين. إنه الصبّاغ .. فأمر الوالي  بنصب مشنقة الصبّاغ الذي صبغ ذلك الثوب باللون الأحمر، ما أدّى إلى لفت انتباه البنّاء وكلّ ما حصل بعده من مشكلات، وتعليقه في باب دكّانه، فلفّ شيخ العسس الحبل على الصبّاغ فوراً، وقرّر وضع نهاية لهذه المهزلة، لكنّ المشكلة أن الصبّاغ كان طويلاً، وباب دكانه كان منحفضاً، فلا يمكن تعليقه بأيّ شكل، فأخذ شيخ العسس يفكّر في طريقة ينفذ فيها أمر الوالي، لكنّه لم يهتد إليها، غير أنّ الرجل القصير الذي كان يمرّ في المكان أنقذه من حيرته، حين جرّ شيخ العسس ذلك الرجل القصير، وعلّقه بدلاً من الصبّاغ في باب الدكان، وظلت رجلاه ترتعشان فترة، ثم خمدت حركتُه تماماً.
وهكذا، أخذ العدل مكانه في المقاطعة، وسجّلت القضية في ملفات القضاء، وقدّمت في برنامج حكم العدالة. وفي صحيفة الإعلانات، ظهر إعلان أرسله صاحب البيت الذي سقط عن حافّة نافذته اللص آنف الذكر، يقول:
"أحبائي اللصوص: أعلمكم أنني، بعون الله تعالى، أصلحت نافذة المنزل، لكيلا يسقط أحدٌ عن حافتها. وركّبت مقابض على الجانبين لكي تتشبثوا بها. لكن لا حاجة لكم إلى النافذة، فقد طردنا الكلب الحقير من أمام بابنا، وتركنا الباب مفتوحاً على مصراعيه. على الراغبين بالسرقة الحضور في أي وقت يريدون، ويفضل أن نكون في البيت للقيام بواجب الضيافة. أما من يشعر بالحرج مما يقوم بفعله، فنحن موجودون في العمل من الثامنة صباحاً حتى الرابعة مساءً... العنوان كذا كذا... إلخ".
وبالفعل، توافد اللصوص مثنى وثلاث ورباع على منزل الرجل المذكور، وكانوا يأكلون ويشربون، ومن هناك يخرجون وعلى وجوههم الابتسامات، وفي أيديهم المسروقات، وقد غلفت بورق السوليفان. سرق اللصوص البيوت حتى لم يبقَ فيها شيء، ثم أخذوا يسرقون الأوطان التي لن يبقى فيها شيء في أقرب وقت.