جنرال الأعراس

جنرال الأعراس

29 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

كان في روسيا القيصرية من العسكريين من وصل إلى رتبة جنرال بمرور الزمن على الرتبة السابقة عبر الترفيع الآلي، ولكنه لا يملك وزنا في الجيش أو السياسة، وبالتالي لا قيمة لرتبته. القيمة الوحيدة التي كانت تُمنح لرتبته هي دعوته إلى الأعراس، لكي يزيّنها بحضوره. وبطبيعة الحال، لم تكن تلك الأعراس للطبقة المخملية، بل لأبناء الطبقات الفقيرة ونصف الميسورة التي يعتبر حضور أي موظف حكومي فيها شرفا يعتدّ به العريس وأهله حتى نهاية حياته، بينما يقوم جنرال الأعراس بالأكل والشرب حتى الثمالة، حيث يضعونه في عربته التي تقلّه إلى بيته، لينتظر عرسا جديدا يكون فيه الديكور الذي يزينه.
الرجل الديكور هو أدنى درجات الظاهرة (الديكوراتية)، فهناك المرشّح الديكور لأي منصب كان، بدءا من مجلس المدينة وانتهاء بالرئاسة. المرشّح الديكور يعرف أنه لن ينجح، ولكنه يرشّح نفسه فقط، لكي يقال إن هناك انتخابات والمرشّح الديكور دليل على حدوثها. وعلى الصعيد الفردي، يمكن الحديث عن الزوج الديكور. ومن الأمثلة عليه حين يزوج مسؤول ما عشيقته لأحد مرؤوسيه، فيكون هذا الزوج مجرّد غطاء لعلاقته بعشيقته.
حدث، في بداية العشرينيات، ما يمكن أن نسميه شهر عسل بين الاتحاد السوفييتي الذي لم يعترف به أحد بعد دولة وكمال أتاتورك الذي لم يكن قد حصل على اعترافٍ من أحد بعد أيضا، فاعترف كل من الطرفين ببعضهما بعضا، وقدّم الاتحاد السوفييتي السلاح والمال والخبرة العسكرية لكمال أتاتورك، في قتاله ضد اليونانيين، لاسترداد إسطنبول التي كان السلطان محمد السادس قد اعترف باحتلالها من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى. وتمكّن أتاتورك، بفضل هذه المساعدة، من تحقيق انتصاراتٍ مهمة ساعدته على تثبيت أقدامه في السلطة، خصوصا وأن السوفييت حالوا دون عودة أنور باشا، منافس أتاتورك، إلى تركيا، حيث كان في المناطق الواقعة تحت سلطة السوفييت، ثم قتل في بخارى في أثناء قيادته المعارك ضد الجيش الأحمر، بعد أن ساءت علاقته بالبلاشفة. وكان أتاتورك يحارب الشيوعيين الأتراك، وأقدم في 28 يناير/ كانون الثاني 1921على قتل 14 قياديا شيوعيا، في مقدمتهم زعيم الحزب الشيوعي التركي، مصطفى صبحي، في أثناء محاولتهم الفرار من بطشه إلى مدينة باكو، حيث تبين أن السفينة التي كانوا عليها لم تكن سوى كمين نصبه أتاتورك، فقتلهم جميعا، وألقى جثثهم في البحر. وإدراكا منه لتأثير اضطهاد الشيوعيين على العلاقة التي يعتبر قطعها خسارة كبيرة، كان أتاتورك قد استبق الأمر برسالةٍ أرسلها إلى لينين عام 1920، وعد فيها بتأسيس حزب شيوعي، واقترح فيها على لينين النضال المشترك ضد الإمبرياليين وبناء الاشتراكية، وغير ذلك من الأهداف التي وصفها بأنها مشتركة. ويقال إن أتاتورك قد أسس ذلك الحزب فعلا، لا بل وانتسب إلى صفوفه. ولم يكن الحزب الديكور الذي أسسه أتاتورك بعيدا عن الشيوعية فقط، بل استخدم أيضا في محاربة الشيوعيين الأتراك. ليس هناك تاريخ محدّد لانتهاء هذا الحزب، ولكن المؤكد أنه اختفى بعد تمكّن أتاتورك من بناء علاقاته مع الغرب، والحصول على اعترافهم.
لاحقا في السبعينيات من القرن الماضي تم تطوير هذا الموضوع عبر تحويل أحزاب فاعلة إلى أحزاب ديكورات، كما هو الحال في سورية، ودول عربية أخرى، حيث تم ضم أحزاب كان عند بعضها جماهير حقيقية وتاريخ سياسي وتأثير على تطور الأحداث، فتم ضمّها ضمن تحالف بشروط تؤدي إلى شللها، عبر منع عملها في بعض القطاعات، مثل الجيش والطلاب، وعبر تحديد نسبة تمثيلها في التحالف، بما لا يتجاوز الـ 49% مقابل 51% لحزب السلطة، ومنحت بعض المكافآت على هيئة وزراء أو نواب في البرلمان. ومع الزمن، تم تحويلها أو لنقل تحويل الذي كان فاعلا بينها إلى أحزاب ديكورات.
ليست هندسة الديكور في السياسة مقتصرة على بلد، فما لعبة الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، في أميركا سوى ديكور نسخت عنها تقريبا لعبة المحافظين والمعتدلين في إيران، وفي روسيا بوتين مدفيديف، وقس على ذلك.