جمهورية المدير العام

16 يونيو 2026

تسير الحكومة العراقية الجديدة في ضباب البدايات، غير أنّ رئيس الوزراء، علي الزيدي، عاجلاً أم آجلاً، سيجد نفسه أمام مفترق طرقٍ ذي شعبتَين: إمّا أن يحصل على مصادر قوّة تؤهّله لإعادة إنتاج نفسه بعيداً من الأحزاب التي مسحته بزيت المباركة السياسية أصلاً، ورفعته بكبسة زرّ من عتمة نشاطه الاقتصادي والمدني إلى أضواء كرسي السلطة التنفيذية الأوّل في البلد، أو يكون ذروة اكتمال مشروع "المدير العام" الذي تحدّث عنه بعض قادة "الإطار التنسيقي" قبل سنوات في معرض انتقادهم حكومة الكاظمي. فحتّى السوداني، الذي خلف الكاظمي، لم يلتزم تماماً بحدود عمل "المدير العام"، وربّما يكون الزيدي هو النموذج الكامل لهذه الفرضية لتُعتمَد فيما بعد، واستنساخها في الدورات البرلمانية المقبلة، فتكون الانتخابات مجرّد أداة لتحديد الأحجام السياسية. وبالتالي، حجم المنافع الاقتصادية والتأثير في صناعة القرار. أمّا رئيس الوزراء فهو ينفّذ فقط ما تُجمع عليه هذه القوى السياسية، فـ"تسوّقه" في كلّ مرّة من الجامعات أو كواليس العمل الاقتصادي والمالي، أو من أيّ مكان آخر، فلا يهمّ، ما دام يقوم بأدوار "المدير العام" بكفاءة.
ترى هذه القوى النافذة أنّ صيغة "الحدّ الأدنى من التصويت" في الانتخابات البرلمانية فعّالةٌ وناجحةٌ، فعزوف القطاعات الأكبر من المجتمع عن المشاركة يترك الجماعات الزبائنية وحدها في الميدان، وهي من تحدّد من يرتقي سلالم البرلمان العراقي. كما أنّ نقص الشرعية هذا يُعوّض بالتخادم مع شبكة الفصائل المسلّحة، التي باتت تمثّل ما يشبه "الحرس الثوري" الحامي للنظام، ما يعني أنّه في حال المفاضلة بين الشعب والنظام، في أيّ مواجهة حاسمة مستقبلية، ستصطفّ هذه القوى حتماً مع النظام ضدّ الشعب. ولذلك تبدو فكرة أن تتخلّى المنظومة السياسية عن القوى المسلّحة التابعة لها أو المتخادمة معها غير مقنعة. والدليل أنّه بعد إعلانات "نزع السلاح" في الأسابيع الماضية، تلاشى الحديث عن الخطوات والإجراءات المتّبعة لنزع سلاح الفصائل من واجهة الأخبار في العراق، ولم نعد نعرف إلى أين وصل مشروع النزع، وما الذي يحدث في الكواليس، وهل هو نزعٌ حقّاً، أم ركنٌ مؤقّتٌ للسلاح على المشاجب؟
قراءات كثيرة في الأشهر الماضية عوّلت على إحداث التغيير المطلوب في العراق بأدوات من داخل النظام، وهي حفرة سقط الجميع فيها سابقاً أكثر من مرّة؛ فالتعويل على أنّ النظام قادرٌ على إنتاج الحلّ ثبت فشله مرّة بعد أخرى، ولكنّنا لا نتعلّم، ربّما بسبب اليأس من الخيارات الأخرى، أو بسبب حالة الإحباط الهائلة التي نتجت من إنهاء احتجاجات أكتوبر (2019)، التي كانت أوسع وأجرأ مشاركة شعبية في نشاط سياسي علني منذ تأسيس هذا النظام.
هناك أقليّة من الناشطين والأكاديميين اليوم تعوّل على عودة الحياة إلى النشاط المدني الاحتجاجي في لحظة مقبلة، استناداً إلى مقدّمة تبدو بديهيةً، أنّ التغيير يأتي من الشعب، وأنّ على الشعب أن يعي أولاً حجم المشكلة التي يعيشها، ثمّ ينظّم نفسه في ممارسات احتجاجية، لتوسيع ما يشبه "المقاومة" المدنية للضغط على النظام ودفعه إلى تصحيح مساراته، ورفع حرارة التفاعلات السياسية المؤدّية إلى تغيير الوجوه، وتشجيع المتردّدين واليائسين من الناخبين على المشاركة في الانتخابات.
لكن هذه الأقلية تبدو، يوماً بعد آخر، وكأنّها تغرّد وحدها وسط حالة من البرود العقلاني في تفسيراتٍ تستند إلى حقائق، لعلّ أهمّها أنّ النظام السياسي قائم على الانقسامات، ويعتاش عليها ويعزّزها، ولديه موارد ريعية كافية للإنفاق على هذا الانقسام العرقي والطائفي وترسيخه أكثر، وأنّ مزاج الإدارة الأميركية لا يميل إلى أجندة الديمقراطية وحقوق الإنسان بقدر ما يركّز على الاستقرار السياسي والتعامل مع رؤوس واضحة في المنطقة.
في حال انتهت الحرب فعلياً بين إيران وأميركا وإسرائيل، وانتهت إلى تراخي القبضة الإيرانية في العراق، لن تميل الإدارة الأميركية، على الأغلب، إلى قبول تثوير الوضع العامّ في العراق، أو تغيير شروط اللعبة، بل ستصادق على تدوير النُّخبة السياسية نفسها من خلف واجهة "مدير عام" يحمل عنوان "رئيس وزراء".