جمل محامل فلسطين
(سليمان منصور)
عندما اكتشفتُ اللوحة المعلقة خلف باب المنزل، كنت أكتشف أن هناك سرّاً كبيراً يجب أن نحافظ عليه كعائلة، وكان الجنود حين يطرقون أبواب المنازل ليلاً بحثاً عن الأبطال المقاومين، وكنا نطلق عليهم لقب "الفدائيين"، فقد كان أبي يفتح الباب ولا أحد ينظر خلفه، فتبقى تلك اللوحة العملاقة سرّاً عظيماً. وقد ثبّتها أبي بطريقة محكمة في باب معدني، ووضع فوقها لوحاً من الحديد الذي يشبه السياج، لكي تستطيع أن ترى ما خلفه، ولكنك لا تستطيع أن تصل إليه، وكأن اللوحة قد أصبحت في سجن محكم؛ نراها من بعيد ولا نلمسها، وظلت تلك اللوحة ضيفتنا التي لا نعرف عنها شيئاً حتى كبرنا وصرنا نسأل بفضول الأطفال، وكان أبي يجيب إجابة مقتضبة، وهو يسرح ببصره بعيداً ويتنهد كثيراً: هذا جمل المحامل.
زيارات كثيرة قمت بها إلى بيوت في المخيم لاحقاً، لأكتشف أن هذه اللوحة موجودة في مكانٍ ما في هذه البيوت، وغالباً ما يكون مكاناً مخفيّاً، مثل أن يعلّقها شابٌّ ثائر داخل خزانته، فتلمحها حين يفتح الخزانة لكي يلتقط قطعة ثياب نظيفة، محاولاً اللحاق بمظاهرة صاخبة مرّت من أمام باب منزله، وحيث كان المنزل ضيقاً وفقيراً، فلا يملك ذلك الشاب غرفة خاصة، ولكن كل ما يملكه هو جانب من خزانة مشتركة مع باقي أفراد العائلة.
سرحتُ كثيراً بتفاصيل هذه اللوحة، وقد صوّر لي خيالي الطفولي أن هذا الرجل موجود فعلاً، وأن بلادنا التي نحبها محمولة على ظهره فعلاً، وكنت أحياناً أشفق على حمله، فحين أتقافز مع رفيقاتي بين جنبات الحي، أشعر ببعض التأنيب، وكأن قفزتي سوف تؤلم ظهر العتّال أو الحمّال، كما كنا نطلق عليه، وكنت أعود سريعاً إلى المنزل، وأقف أمام الصورة وكأني أعتذر له، وتكاد الدموع تنهمل من عيني أحياناً من فرط إحساسي بعِظَم مهمته.
حين كبرت، عرفت أن هذه اللوحة قد رسمها فنان فلسطيني اسمه سليمان منصور، والذي لم يرسم فلسطين في هذه اللوحة ولم يختصر الحكاية فقط، بل ترك لوحة تسكن ذاكرتنا، وهي تروي حكاية شعب، بحيث يصبح من الصعب أن تنظر إليها في كل مرة من دون أن تكتشف خلف ألوانها أعواماً طويلة من لوعة الفقد والانتظار والتمسك بالمكان.
كبرت واكتشفت أن ذلك الرجل المسن الحافي القدمين، والمنحني الظهر تحت حمل يبدو أكبر كثيراً من حجم جسده النحيل، ما هو إلا رمز، ولكن الرسام رآه كثيراً في الحقيقة، وحين لفت نظره في العام 1973 تحديداً رجل عتّال طاعن في السن يدخل إلى أزقة البلدة القديمة في القدس بحمل ثقيل، وحيث لا تستطيع العربات أن تفعل هذا، فكان الحمّالون يومها جزءاً من المشهد اليومي في المدينة، فيحملون فوق ظهورهم البضائع والأثاث، ويوصلونها إلى منازل أصحابها مقابل مال زهيد.
كبرت واهترأت أطراف اللوحة المخبأة خلف باب المنزل، وجاء الوقت الذي انتقلنا فيه إلى منزلٍ آخر، ولكني حملتها معي، وكنت أقول لإخوتي مازحةً إن هذه اللوحة شقيقتي المدلّلة التي تصغرني بعامين، ولكني كنت قد ارتبطت بها؛ لأنها تذكرني بالبلاد والقرى التي لم يرها جيلي، وحدّثنا عنها أبي وجدي، وكنت أحياناً كثيرة أعتقد أنها أمانة يحملها هذا الرجل فوق كاهله، وربما يحين الوقت لكي أمدّ يدي وأستردّها منه.
طاف المثل الشعبي "فلان هو جمل المحامل" فوق ألسنتنا كثيراً، ولم ننسَ لوحته التي التصقت بالمثل، وحين اقترح إميل حبيبي أن يطلق هذا الاسم عليها، وقد ظلت بلا اسم حتى 1975، وبعد أن عُرضت في معرض للقدس، ثم تحوّلت إلى ملصق ورمز يُلصق في كل مكان، وقبل ذلك فهو يُلصق في ذاكرة كل فلسطيني.
خرجت لوحة "جمل المحامل" من إطارها لتصبح صورة جماعية لذاكرة شعب كامل، ولم تعد ملكاً للفنان الراحل سليمان منصور وحده؛ لأن كل فلسطيني قد حملها معه كما فعلت، ووجد فيها شيئاً يشبه حكايته.