جرمانا وقراءة المشهد الأمني في سورية
حافلة ركاب استهدفها التفجير في جرمانا بريف دمشق (6/8/2026 فرانس برس)
تمتاز جرمانا في ريف دمشق بأنها بلدة شديدة التنوّع، وفيها حركة اقتصادية لم تتأثر بالحرب، بل وانتعشت بعد 2011، إذ لم تتعرّض لأية عمليات دمار أو حصار أو تهجير، وصارت موئلاً لمئات آلاف من الغوطة والمنطقة الشرقية، وفيها كتلة درزية ومسيحية وازنة. جرت فيها مساء الخميس الماضي حادثة أمنية، إذ انفجرت شاحنة "سرفيس" لنقل الركاب، وهي ككل الحوادث الأمنية التي تجري في سورية، وجديدها أخيراً التي تزامنت مع وجود الرئيس الفرنسي ماكرون، قبل أقل من نصف شهر... كيف نقرأ كل هذه الوقائع؟
تمرّ سورية في مرحلة انتقالية، وما زالت الأجهزة الأمنية فيها تتشكّل وتعاني قلّةً خبرة، وكل مؤسسات الدولة كذلك، ولم تتّحد البلاد بشكل نهائي، وهناك خطة وخطوات للاندماج بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والسلطة، ولم تنته بعد، وهناك الخلافات الشديدة مع السويداء. وأخيراً، حدثت تغييرات كبرى، وتشكيلات جديدة، في قيادة أجهزة الأمن والجيش؛ نقول: ضمن هذا السياق، والسابق عليه، ووجود فصائل جهادية وسلفية، وخلافات شديدة مع السلطة، فإن حدوث عملياتٍ كهذه أمر طبيعي جداً.
سيشُكّل إشراك السوريين في مؤسسات الدولة أو عبر النقابات أو الاتحادات، في حال تحقّقه، مدخلاً صلباً لرفض كل أشكال التطرف
هناك تهديدات سابقة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومن جماعات جهادية أخرى، للسلطة التي صارت جزءاً من الحملة الدولية لمحاربة الإرهاب في سورية، وأن تموقعها هذا بالضد من هذه الجماعات وسواها طبعاً دفع الأخيرة لكي تتوعّد السلطة. وضمن هذا، يمكن قراءة المشهد الأمني، والتفجير، والصلات الممكنة بين أجهزة الاستخبارات الخارجية وهذه الجماعات، وبما يفكك سردية السلطة في أنها ترسي الاستقرار الأمني، وأن سورية أصبحت مكاناً آمناً، ويمكن للاستثمارات أن تتدفق إليها. والتغييرات أخيراً في قيادات الفرق العسكرية "86، 72، 62" وسواها، التي عليها عقوبات دولية، يأتي في هذا الاتجاه كذلك.
قراءة محللين سوريين عديدين هذا المشهد أن هذه التفجيرات ترتبط بأجندة إيران أو الدولة الصهيونية أو حتى تحميلها لتيار حكمت الهجري في السويداء وردّاً على بيانٍ لمشايخ جرمانا، وفيه أن هذه البلدة تتموضع ضمن الغوطة وبالعلاقة مع دمشق، فيها كثير من الابتسار والتسرّع، وربما الأدلجة. القضية تجب قراءتها ضمن تعقّد المشهد الأمني العام، الداخلي أولاً، وبعد ذلك يأتي اللعب الإقليمي في الداخل السوري، وبما يخص العلاقة بين السويداء وجرمانا، والعلاقة بين مشايخ العقل في المنطقتين، وهي متعددة الأشكال. ودينياً، ليست هناك خلافات حقيقية فيها، وكذلك هناك كتلة سكانية من السويداء في جرمانا، وبالتالي، يصبح تحميل تيار الهجري مسؤولية الانفجار تفسيراً يحتاج إلى موضوعية وتروٍّ كبيرين.
تبنّى تنظيم داعش العمليات الأمنية المتزامنة مع زيارة ماكرون، وتبنّى عملية جرمانا تنظيم جهادي جديد هو "منبر أنصار الرسول". المحللون أعلاه رفضوا أن يكون "داعش" مرتكب تفجيرات "بسيطة" كهذه، إذ يجري عمليات أكثر مشهديةً وإجراماً! متجاهلين أن خبراته ضعُفت كثيراً، من جراء الحملة الدولية، ومتجاهلين أن إغلاق مخيم الهول، على نحو فوضوي، أدّى إلى تسرّب المئات من الجهاديين إلى عموم المدن السورية، وتؤكد تقارير وزارة الداخلية القبض على كثيرين منهم في محيط دمشق أو في بقية المحافظات، ما يوضح أن هناك مشكلة أمنية داخلية وكبيرة، وتتحدّد بوجود جماعات رافضة توجهات السلطة، وهي تُكفّر الطوائف الإسلامية من غير السنّة، وحتى السنّة ممن لا ينضوون فيها.
يربط محللون نقديون بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وعدم الاستقرار الأمني، وأن هذه الأزمات أحد الأسباب الحقيقية لوجود الجماعات الجهادية، أو الجريمة المنظمة، وكل ما يناهض المجتمع والدولة، وبإمكانها استغلال كثيرين من الشباب الجاهل، والقيام بعمليات إجرامية كهذه. ضمن ذلك ثمة علاقة وثيقة تشير إلى أنه كلما تحسّن الوضع الاقتصادي والاجتماعي تحقق الاستقرار الأمني، والعكس صحيح. وسورية تعاني بشدة من تلك الأزمات، وهناك خلافات سياسية لها مع دول إقليمية عديدة، وبالتالي، لا بدّ من قراءة المشهد الأمني في هذا السياق.
هناك وجه آخر لتعقّد المشهد الأمني، يرتبط بعدم إشراك السوريين في تمثيل أنفسهم من خلال مؤسسات الدولة، أو عبر النقابات أو الاتحادات، وهذا سيشكّل، في حال تحقّقه، مدخلاً صلباً لرفض كل أشكال التطرف أو الأفكار والرؤى الضيقة، المناهضة للمجتمع، وحتى للدولة. تتشكّل السلطات وأجهزة الدولة، منذ عام وتسعة أشهر، من دون هذا الإشراك، وهذا يدفع السوريين نحو اللامبالاة وغياب الأمل، ببعضهم نحو التطرف، وغيرهم نحو خدمة أجهزة الاستخبارات الخارجية، ويقود ذلك إلى إمكانية حدوث عملياتٍ كهذه، وإمكانية تكرارها أيضاً. إن إشراك الناس هو حماية للدولة، وحماية لمصالح الناس، وعبره وبانتهاج الحوار تتشكّل الرؤى الوطنية والسياسات القادرة على النهوض وتجاوز سورية كلّ أزماتها.
جاءت العملية الإجرامية في جرمانا ردّاً على أحد مضامين بيان المشايخ بضرورة نبذ خطاب الكراهية
يُعدّ موضوع الخلاف بين السويداء ودمشق مشكلةً كبيرةً للسلطة ولأهالي تلك المحافظة، وأثره كبير في تقدير الدول الوضعَ الداخلي في سورية. هذا أمر تتحمّل السلطة مسؤولية إيجاد حل له، وكذلك، في الدرجة الثانية، التيار القابض على السويداء، تيار الهجري؛ هذا الخلاف قد يدفع فئاتٍ تُشيطن الدروز، بعقلية قاصرة، للانتقام من جرمانا. إن حلّ هذا الخلاف، وتجريم خطاب الكراهية بين الطوائف، المنتشر بكثرة، سيساعد في تهيئة الأجواء السياسية نحو الانفتاح المجتمعي والديني وتهميش النزعات المتطرفة.
قراءة المشهد الأمني، وتفجير جرمانا، ضمن رؤى ضيقة أو أسباب بعينها أمر قاصر، ورؤية المشهد المتأزم في كل سورية هو التفكير الصائب لتجفيف الأجواء المتأزمة. إشراك الناس في وضع التصوّرات عن السياسات العامة للدولة، ولكل محافظة على حدة، وفتح المجال لكل أشكال اللامركزية وانتخاب المؤسسات الدنيا للدولة (المجالس المحلية، الإدارة المحلية، مجالس المحافظات) ومجالس النقابات ومختلف أشكال الاتحادات التمثيلية هو الطريق نحو تجفيف المصادر التي يستقي منها الإرهاب مبرّراته.
ليست جرمانا وحدها متنوّعة، بل سورية بأكملها كذلك، وهناك التنوّع الواسع في السُنّة، وباعتبارها أكثرية، نشير إلى أنّها "أمة" وليست جماعة أو طائفة فقط، أي فيها تنوّع طبقي وثقافي وسياسي ومناطقي، والأمر أيضاً يشمل بقية "الطوائف". هذه هي سورية، وهو ما يفترض بالسلطة أن تنطلق منه، وقد جاءت العملية الإجرامية في جرمانا ردّاً على أحد مضامين بيان المشايخ بضرورة نبذ خطاب الكراهية، وأن جرمانا وكل بلدات سورية هي جزء من البلاد، وأن السلطة مسؤولة عمّا يحدث في كل سورية، وهي ليست صندوق بريد لأحد، وبالتالي، وبغضّ النظر عن هذه العملية ومن يقف خلفها، ولا بدّ طبعاً من تبيان الحقيقة كاملة بخصوصها تعزيزاً الثقة، فإن هناك سياسات يجب على الدولة الركون إليها، بما يعزز الأمن، وهذا يقتضي حلّ الخلاف مع السويداء والاعتراف بحقوق الأكراد كاملة، وإشراك السوريين في السياسات والقرارات، وتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأغلبية السوريين.